من ذكر التنبول الى ذكر مغاص الجوهر

    شاطر

    همسات
    Admin

    المساهمات : 1036
    تاريخ التسجيل : 18/02/2015

    من ذكر التنبول الى ذكر مغاص الجوهر

    مُساهمة من طرف همسات في الثلاثاء يناير 01, 2019 4:06 pm


    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    رحلات إبن بطوطة
    الجزء الأول
    من ذكر التنبول الى ذكر مغاص الجوهر

    ● [ ذكر التنبول ] ●

    والتنبول شجر يغرس كما تغرس دوالي العنب، ويصنع له معرشات من القصب، كما تصنع لدوالي العنب، أو يغرس في مجاورة النارجيل، فيصعد فيها كما تصعد الدوالي، وكما يصعد الفلفل. ولا ثمر للتنبول. وإنما المقصود منه ورقه، وهو يشبه ورق العليق. وأطيبه الأصفر. وتجنى أوراقه في كل يوم. وأهل الهند يعظمون التنبول تعظيماً شديداً، وإذا أتى الرجل دار صاحبه فأعطاه خمس ورقات منه، فكأنما أعطاه الدنيا وما فيها، لا سيما إن كان أميراً أو كبيراً. وإعطاؤه عندهم أعظم شأناً وأدل على الكرامة من إعطاء الفضة والذهب. وكيفية استعماله أن يؤخذ قبله الفوفل، وهو شبه جوز الطيب، فيكسر حتى يصير أطرافاً صغاراً، ويجعله الإنسان في فمه ويعلكه، ثم يأخذ ورق التنبول، فيجعل عليها شيئاً من النورة ويمضغها مع الفوفل. وخاصيته أنه طيب النكهة، ويذهب بروائح الفم، ويهضم الطعام، ويقطع ضرر شرب الماء على الريق، ويفرح آكله، ويعين على الجماع. ويجعله الإنسان عند رأسه ليلاً فإذا استيقظ من نومه، أو أيقظته زوجته أو جاريته أخذ منه، فيذهب بما في فمه من رائحة كريه. ولقد ذكر لي أن جواري السلطان والأمراء ببلاد الهند لا يأكلن غيره، وسنذكره عند ذكر بلاد الهند.
    ● [ ذكر النارجيل ] ●

    وهو جوز الهند، وهذا الشجر من أغرب الأشجار شأناً وأعجبها أمراً، وشجره شبه شجر النخل لا فرق بيهما، إلا أن هذه تثمر جوزاً، وتلك تثمر ثمراً. وجوزها يشبه رأس ابن آدم، لأن فيها شبه العينين والفم، وداخلها شبه الدماغ إذا كانت خضراء، وعليها ليف شبه الشعر، وهم يصنعون به حبالاً يخيطون به المراكب عوضاً عن مسامير الحديد، ويصنعون منه الحبال للمراكب. والجوزة منها وخصوصاً التي بجزائر ذيبة المهل، تكون بمقدار رأس الآدمي. ويزعمون أن حكيماً من حكماء الهند في غابر الزمان كان متصلاً بملك من الملوك ومعظماً لديه، وكان للملك وزير بينه وبين هذا الحكيم معاداة. فقال الحكيم للملك: إن رأس هذا الوزير إذا قطع ودفن تخرج منه نخلة تثمر بثمر عظيم، يعود نفعه على أهل الهند وسواهم من أهل الدنيا. فقال له الملك: فإن لم يظهر من رأس الوزير ما ذكرته، قال: إن لم يظهر، فاصنع برأسي كما صنعت برأسه. فأمر الملك برأس الوزير فقطع، وأخذه الحكيم، وغرس نواة تمر في دماغه، وعالجها حتى صارت شجرة، وأثمرت بهذا الجوز. وهذه الحكاية من الأكاذيب، ولكن ذكرناها لشهرتها عندهم. ومن خواص هذا الجوز تقوية البدن وإسراع السمن والزيادة في حمرة الوجه. وأما الإعانة على الباءة ففعله فيها عجيب. ومن عجائبه إنه يكون في ابتداء أمره أخضر. فمن قطع بالسكين قطعة من قشره وفتح رأس الجوزة شرب منها ماء في النهاية من الحلاوة والبرودة. ومزاجه حار معين على الباءة. فاذا شرب ذلك الماء أخذ قطعة القشرة وجعلها شبه الملعقة وجرد بها ما في داخل الجوزة من الطعم، فيكون طعمه كطعم البيضة إذا شربت ولم يتم نضجها كل التمام، ويتغذى به. ومنه كان غذائي أيام إقامتي بجزائر ذيبة المهل مدة عام ونصف عام. وعجائبه أن يصنع منه الزيت والحليب والعسل.فأما كيفية صناعة العسل منه فإن خدام النخل منه، ويسمون الفازانية، يصعدون إلى النخلة غدواً وعشياً إذا أرادوا أخذ مائها الذي يصنعون منه العسل، وهم يسمونه الأطواق، فيقطعون العذق الذي يخرج منه الثمر، ويتركون منه مقدار إصبعين، ويربطون عليه قدراً صغيرة فيقطر فيها الماء الذي يسيل من العذق. فإذا ربطها غدوة، صعد إليها عشياً ومعه قدحان من قشر الجوز المذكور، أحدهما مملوء ماء فيصب ما اجتمع من ماء العذق في أحد القدحين ويغسله بالماء الذي في القدح الآخر، وينجر من العذق قليلاً ويربط عليه القدر ثانية، ثم يفعل غدوة كفعله عشياً، فإذا اجتمع له الكثير من ذلك الماء طبخه كما يطبخ ماء العنب إذا صنع منه الرب، فيصير عسلاً عظيم النفع طيباً، يشتريه تجار الهند واليمن والصين، ويحملونه إلى بلادهم، ويصنعون منه الحلواء. وأما كيفية صنع الحليب منه فإن بكل دار شبه الكرسي، تجلس فوقه المرأة، ويكون بيدها عصا، في أحد طرفيها حديدة مشرفة، فيفتحون في الجوزة مقدار ما تدخل تلك الحديد، ويجرشون ما في باطن الجوزة، وكل ما ينزل منها يجتمع في صحفة، حتى لا يبقى في داخل الجوزة شيء، ثم يمرس ذلك الجريش بالماء، فيصير كلون الحليب بياضاً، ويكون طعمه كطعم الحليب، ويأتدم به الناس. وأما كيفية صنع الزيت فإنهم يأخذون الجوز بعد نضجه وسقوطه عن شجره، فيزيلون قشره ويقطعونه قطعاً ويجعل في الشمس، فإذا ذبل طبخوه في القدور واستخرجوا زيته، وبه يستصبحون. ويضعه الناس في شعورهم، وهو عظيم النفع.
    ● [ ذكر سلطان ظفار ] ●

    وهو السلطان الملك المغيث بن الملك الفائز ابن عم ملك اليمن. وكان أبوه أميراً على ظفار من قبل صاحب اليمن. وله عليه هدية يبعثها له في كل سنة. ثم استبد الملك المغيث بملكها، وامتنع من إرسال الهدية. وكان من عزم ملك اليمن على محاربته، وتعيين ابن عمه ووقوع الحائط عليه ما ذكرناه آنفاً. وللسلطان قصر بداخل المدينة يسمى الحصن، عظيم فسيح، والجامع بإزائه. ومن عادته أن تضرب الطبول والبوقات والأنفار والصرنايات على بابه كل يوم بعد صلاة العصر؛ وفي كل يوم إثنين وخميس تأتي العساكر إلى بابه فيقفون خارج المشور ساعة وينصرفون، والسلطان لا يخرج ولا يراه أحد إلا في يوم الجمعة، فيخرج للصلاة ثم يعود إلى داره. ولا يمنع أحد من دخول المشور، وأمير جندار قاعد على بابه، وإليه ينتهي كل صاحب حاجة أو شكاية، وهو يطالع السلطان، ويأتيه الجواب للحين. وإذا أراد السلطان الركوب خرجت مراكبه من القصر وسلاحه ومماليكه إلى خارج المدينة، وأتى بجمل عليه محمل مستور بستر أبيض منقوش بالذهب، فيركب السلطان ونديمه في المحمل بحيث لا يرى. وإذا خرج إلى بستانه وأحب ركوب الفرس ركبه ونزل عن الجمل. وعادته أن لا يعارضه أحد في طريقه ولا يقف لرؤيته ولا لشكاية ولا لغيرها، ومن تعرض لذلك ضرب أشد الضرب. فتجد الناس إذا سمعوا بخروج السلطان فروا عن الطريق وتحاموها. ووزير هذا السلطان الفقيه محمد العدني، وكان معلم صبيان، فعلم هذا السلطان القراءة والكتابة، وعاهده على أن يستوزره إن ملك. فلما ملك استوزره، فلم يكن يحسنها، فكان الاسم له والحكم لغيره. ومن هذه المدينة ركبنا البحر نريد عمان في مركب صغير لرجل يعرف بعلي بن إدريس المصيري من أهل جزيرة مصيرة. وفي الثاني لركوبنا نزلنا بمرسى حاسك وبه ناس من العرب، صيادون للسمك، ساكنون هنالك، وعندهم شجر الكندر، وهو رقيق الورق. وإذا شرطت الورقة منه قطر منها ماء شبه اللبن، ثم عاد صمغاً. وذلك الصمغ هو اللبان وهو كثير جداً هنالك. ولا معيشة لأهل ذلك المرسى إلا من صيد السمك، وسمكهم يعرف باللخم " بخاء معجم مفتوح "، وهو شبيه كلب البحر. يشرح ويقدد ويقتات به. وبيوتهم من عظام السمك، وسقفها من جلود الجمال. وسرنا من مرسى حاسك أربعة أيام ووصلنا إلى جبل لمعان " بضم اللام "، وهو في وسط البحر، وبأعلاه رابطة مبنية بالحجارة وسقفها من عظام السمك، وبخارجها غدير ماء يجتمع من المطر.
    ● [ ذكر ولي لقيناه بهذا الجبل ] ●

    ولما أرسينا تحت هذا الجبل صعدناه إلى هذه الرابطة، فوجدنا بها شيخاً نائماً، فسلمنا عليه فاستيقظ، وأشار برد السلام فكلمناه فلم يكلمنا، وكان يحرك رأسه. فأتاه أهل المركب بطعام، فأبى أن يقبله. فطلبنا منه الدعاء فكان يحرك شفتيه ولا نعلم ما يقول، وعليه مرقعة وقلنسوة لبد، وليس معه ركوة ولا إبريق ولا عكاز ولا نعل. وقال أهل المركب: إنهم ما رأوه قط بهذا الجبل. وأقمنا تلك الليلة بساحل الجبل، وصلينا معه العصر والمغرب، وجئناه بطعام فرده، وأقام يصلي إلى العشاء الآخرة. ثم أذن وصلينا معه. وكان حسن الصوت بالقراءة مجيداً لها، ولما فرغ من صلاة العشاء الآخرة أومأ إلينا بالانصراف، فودعناه وانصرفنا ونحن نعجب من أمره. ثم إني أردت الرجوع إليه لما انصرفنا، فلما دنوت منه غلب علي الخوف، ورجعت إلى أصحابي وانصرفت معهم، وركبنا البحر، ووصلنا بعد يومين إلى جزيرة الطير، وليست بها عمارة. فأرسينا وصعدنا إليها، فوجدناها ملآنة بطيور تشبه الشقاشق، إلا أنها أعظم منها. وجاءت الناس ببيض تلك الطيور فطبخوها وأكلوها، واصطادوا جملة من تلك الطيور فطبخوها دون ذكاة وأكلوها. وكان يجالسني تاجر من أهل جزيرة مصيرة ساكن بظفار اسمه مسلم، ورأيته يأكل معهم تلك الطيور، فأنكرت ذلك عليه، فاشتد خجله وقال لي: ظننت أنهم ذبحوها. وانقطع عني بعد ذلك من الخجل، فكان لا يقربني حتى أدعو به. وكان طعامي في تلك الأيام بذلك المركب التمر والسمك. وكانوا يصطادون بالغدو والعشي سمكاً يسمى بالفارسية شير ماهي، ومعناه أسد السمك، لأن شير هو الأسد، وماهي السمك. وهو يشبه الحوت المسمى عندنا بتارزت، وهم يقطعونه قطعاً ويشوونه ويعطون كل من في المركب قطعة، لا يفضلون أحداً على أحد ولا صاحب المركب ولا سواه، ويأكلونه بالتمر. وكان عندي خبز وكعك استصحبتهما من ظفار، فلما نفدا، كنت أقتات من ذلك السمك في جملتهم. وعيدنا عيد الأضحى على ظهر البحر، وهبت علينا في يومه ريح عاصف بعد طلوع الفجر، ودامت إلى طلوع الشمس، وكادت تغرقنا.
    كرامة
    وكان معنا في المركب حاج من أهل الهند يسمى بخضر، ويدعى بمولانا، لأنه يحفظ القرآن ويحسن الكتابة، فلما رأى هول البحر لف رأسه بعباءة كانت له وتناوم، فلما فرج الله ما نزل بنا قلت له: يا مولانا خضر كيف رأيت ، قال: كنت عند الهول أفتح عيني أنظر، هل أرى الملائكة الذين يقبضون الأرواح جاءوا، فلا أراهم، فأقول الحمد لله لو كان الغرق لأتوا لقبض الأرواح. ثم أغلق عيني ثم أفتحهما، فأنظر كذلك، إلى أن فرج الله عنا. وكان قد تقدمنا مركب لبعض التجار فغرق، ولم ينج منه إلا رجل واحد خرج عوماً بعد جهد شديد. وأكلت في ذلك المركب نوعاً من الطعام لم أذقه قبل ولا بعد، صنعه بعض تجار عمان وهو من الذرة طبخها من غير طحن، وصب عليه السيلان، وهو عسل التمر، وأكلناه. ثم وصلنا إلى جزيرة مصيرة التي منها صاحب المركب الذي كنا فيه، وهي على لفظ مصير وزيادة تاء التأنيث، جزيرة كبيرة، لا عيش لأهلها إلا من السمك. ولم ننزل إليها لبعد مرساها عن الساحل. وكنت قد كرهتهم لما رأيتهم يأكلون الطير من غير ذكاة. وأقمنا بها يوماً، وتوجه صاحب المركب إلى داره وعاد إلينا، ثم سرنا يوماً وليلة، ووصلنا إلى مرسى قرية كبيرة على ساحل البحر تعرف بصور، ورأينا منها مدينة قلهات، في سفح جبل، فخيل لنا أنها قريبة. وكان وصولنا إلى المرسى وقت الزوال أو قبله. فلما ظهرت لنا المدينة أحببت المشي إليها والمبيت بها، وكنت قد كرهت صحبة أهل المركب، فسألت عن طريقها، فأخبرت أني أصل إليها العصر. فاكتريت أحد البحريين ليدلني على طريقها، وصحبني خضر الهندي الذي تقدم ذكره، وتركت أصحابي مع ما كان لي بالمركب ليلحقوا بي في غد ذلك اليوم، وأخذت أثواباً كانت لي، فدفعتها للدليل ليكفيني مؤونة حملها، وحملت في يدي رمحاً. فإذا ذلك الدليل يحب أن يستولي على أثوابي، فأتى بنا إلى خليج يخرج من البحر فيه المد والجزر، فأراد عبوره بالثياب، فقلت له: إنما تعبر وحدك وتترك الثياب عندنا، فإن قدرنا الجواز جزنا، وإلا صعدنا نطلب المجاز فرجع. ثم رأينا رجالاً جازوه عوماً فتحققنا أنه كان قصده أن يغرقنا ويذهب بالثياب. فحينئذ أظهرت النشاط وأخذت بالحزم وشددت وسطي وكنت أهز الرمح، فهابني ذلك الدليل وصعدنا حتى وجدنا مجازاً، ثم خرجنا إلى صحراء لا ماء بها، واشتد الأمر، فبعث الله لنا فارساً في جماعة من أصحابه وبيد أحدهم ركوة ماء فسقاني وسقى صاحبي. وذهبنا نحسب المدينة قريبة منا، وبيننا وبينها خنادق نمشي فيها الأميال الكثيرة. فلما جاء العشي أراد الدليل أن يميل بنا إلى ناحية البحر، وهو لا طريق له، لأن ساحله حجارة. فأراد أن ننشب فيها ويذهب بالثياب. فقلت له: إنما نمشي على هذه الطريق التي نحن عليها، وبينها وبين البحر نحو ميل. فلما أظلم الليل قال لنا، إن المدينة قريبة، فتعالوا نمشي حتى نبيت بخارجها إلى الصباح. فخفت أن يتعرض لنا أحد في الطريق، ولم أحقق مقدار ما بقي، إليها، فقلت له: إنما الحق أن نخرج عن الطريق فننام، فإذا أصبحنا أتينا المدينة إن شاء الله. وكنت قد رأيت جملة من الرجال في سفح جبل هنالك، فخفت أن يكونوا لصوصاً، وقلت التستر أولى. وغلب العطش على صاحبي فلم يوافق على ذلك. فخرجت عن الطريق، وقصدت شجرة من شجر أم غيلان، وقد أعييت وأدركني الجهد، لكني أظهرت قوة وتجلداً، خوف الدليل. وأما صاحبي فمريض لا قوة له. فجعلت الدليل بيني وبين صاحبي، وجعلت الثياب بين ثوبي وجسدي، وأمسكت الرمح بيدي ورقد صاحبي ورقد الدليل، وبقيت ساهراً. فكلما تحرك الدليل كلمته وأريته أني مستيقظ، ولم نزل كذلك حتى الصبح.
    ثم خرجنا إلى الطريق فوجدنا الناس ذاهبين بالمرافق إلى المدينة، فبعثت الدليل ليأتينا بماء، وأخذ صاحبي الثياب. وكان بيننا وبين المدينة مهاوٍ وخنادق. فأتان بالماء فشربنا، وذلك أوان الحر، ثم وصلنا إلى مدينة قلهات " وضبط اسمها بفتح القاف واسكان اللام وآخره تاء مثناة "، فأتيناها ونحن في جهد عظيم. وكنت قد ضاقت نعلي على رجلي حتى كاد الدم يخرج من تحت أظفارها، فلما وصلنا باب المدينة كان ختام المشقة، أن قال لنا الموكل بالباب: لا بد لك أن تذهب معي إلى أمير المدينة ليعرف قضيتك، ومن أين قدمت. فذهبت معه إليه فرأيته فاضلاً حسن الأخلاق، وسألني عن حالي وأنزلني، وأقمت عنده ستة أيام، لا قدرة لي فيها على النهوض على قدمي لما لحقها من الآلام.
    ومدينة قلهات على الساحل، وهي حسنة الأسواق، ولها مسجد من أحسن المساجد. حيطانه بالقاشاني، وهو شبه الزليج. وهو مرتفع، ينظر منه إلى البحر، والمرسى، وهو من عمارة الصالحة بيبي مريم، ومعنى بيبي عندهم الحرة. وأكلت بهذه المدينة سمكاً لم آكل مثله في إقليم من الأقاليم، وكنت أفضله على جميع اللحوم، فلا آكل سواه. وهم يشوونه على ورق الشجر، ويجعلونه على الأرز، ويأكلونه. والأرز يجلب إليهم من أرض الهند. وهم أهل تجارة، ومعيشتهم مما يأتي إليهم في البحر الهندي. وإذا وصل إليهم مركب فرحوا به أشد الفرح. وكلامهم ليس بالفصيح مع أنهم عرب. وكل كلمة يتكلمون بها يصلونها بلا. فيقولون مثلا: تأكل لا، تمشي لا، تفعل كذا لا. وأكثرهم خوارج. لكنهم لا يقدرون على إظهار مذهبهم، لأنهم تحت طاعة السلطان قطب الدين تمتهن ملك هرمز، وهو من أهل السنة. وبمقربة من قلهات قرية طيبي، واسمها على نحو اسم الطيب إذ أضافه المتكلم لنفسه. وهي من أجمل القرى وأبدعها حسناً، ذات أنهار جارية وأشجار ناضرة وبساتين كثيرة. ومنها تجلب الفواكه إلى قلهات. وبها الموز المعروف بالمرواري بالفارسية هو الجوهري " المروار الجوهر "، وهو كثير بها، وجلب منها إلى هرمز وسواها. وبها أيضاً التنبول، لكن ورقته صغيرة. والتمر يجلب إلى هذه الجهات من عمان. ثم قصدنا بلاد عمان، فسرنا ستة أيام في صحراء، ثم وصلنا بلاد عمان في اليوم السابع. وهي خصبة ذات أنهار وأشجار وبساتين وحدائق ونخل وفاكهة كثيرة مختلفة الأجناس. ووصلنا إلى قاعدة هذه البلاد وهي مدينة نزوا " وضبط اسمها بنون مفتوح وزاي مسكن وواو مفتوح "، مدينة في سفح جبل ، تحف بها البساتين والأنهار. يأتي كل إنسان بما عنده، ويجتمعون للأكل في صحن المسجد، ويأكل معهم الوارد والصادر. ولهم نجدة وشجاعة. والحرب قائمة فيما بينهم أبداً. وهم أباضية المذهب. ويصلون الجمعة ظهراً أربعاً، فإذا فرغوا منها قرأ الإمام أيات من القرآن، ونثر كلاماً شبه الخطبة يرضى فيه عن أبي بكر وعمر، ويسكت عن عثمان وعلي. وهم أرادوا ذكر علي رضي الله عنه كنوا عنه، فقالوا: ذكر عن الرجل أو قال الرجل. ويرضون عن الشقي اللعين ابن ملجم، ويقولون فيه: العبد الصالح قامع الفتنة. ونساؤهم يكثرن الفساد، ولا غيرة عندهم، ولا إنكار لذلك. وسنذكر حكاية إثر هذا مما يشهد بذلك.
    ● [ ذكر سلطان عمان ] ●

    وسلطانها عربي من قبيلة الأزد بن الغوث، ويعرف بأبي محمد ابن نبهان. وأبو محمد عندهم سمة لكل سلطان يلي عمان، كما هي أتابك عند ملوك اللور. وعادته أن يجلس خارج باب داره في مجلس هنالك، ولا حاجب له ولا وزير، ولا يمنع أحداً من الدخول إليه من غريب أو غيره، ويكرم الضيف على عادة العرب، ويعين له الضيافة، ويعطيه على قدره. وله أخلاق حسنة. ويؤكل على مائدته لحم الحمار الإنسي، ويباع بالسوق، لأنهم قائلون بتحليله، ولكنهم يخفون ذلك عن الوارد عليهم، ولا يظهرونه بمحضره. ومن مدن عمان مدينة زكي لم أدخلها، وهي على ما ذكر لي، مدينة عظيمة منها القريات وشبا وكلبا وخورفكان وصحار، وكلها ذات أنهار وحدائق وأشجار ونخل، وأكثر هذه البلاد في عمالة هرمز.
    حكاية
    كنت يوماً عند السلطان أبي محمد بن نبهان فأتته امرأة صغيرة السن حسنة الصورة بادية الوجه، فوقفت بين يديه وقالت له: يا أبا محمد طغا الشيطان في رأسي. فقال لها: اذهبي واطردي الشيطان. فقالت له: لا أستطيع وأنا في جوارك يا أبا محمد. فقال لها: اذهبي فافعلي ما شئت. فذكر لي لما انصرفت عنه أن هذه ومن فعل مثل فعلها تكون في جوار السلطان، وتذهب للفساد، ولا يقدر أبوها ولا ذوو قرابتها أن يغيروا عليها، وإن قتلوها قتلوا بها، لأنها في جوار السلطان. ثم سافرت من بلاد عمان إلى بلاد هرمز، وهرمز مدينة على ساحل البحر، وتسمى أيضاً موغ أستان، وتقابلها في البحر هرمز الجديدة، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ. ووصلنا إلى هرمز الجديدة، وهي جزيرة مدينتها تسمى جرون " بفتح الجيم والراء وآخرها نون "، وهي مدينة حسنة كبيرة لها أسواق حافلة، وهي مرسى الهند والسند، ومنها تحمل سلع الهند إلى العراقين وفارس وخراسان. وهذه المدينة سكنى السلطان، والجزيرة التي فيها المدينة مسيرة يوم، وأكثرها سباخ وجبال ملح، وهو الملح الداراني، ومنه يصنعون الأواني المزينة والمنارات التي يضعون السرج عليها. وطعامهم السمك والتمر المجلوب إليهم من البصرة وعمان. ويقولون بلسانهم: خرما وما هي لوت بادشاهي، معناه بالعربي التمر والسمك طعام الملوك. وللماء في الجزيرة قيمة، وبها عيون ماء وصهاريج مصنوعة، يجتمع فيها ماء المطر. وهي على بعد من المدينة، ويأتون إليها بالقرب فيملأونها ويرفعونها على ظهورهم إلى البحر، يوسقونها في القوارب ويأتون بها إلى المدينة. ورأيت من العجائب عند باب الجامع فيما بينه وبين السوق رأس سمكة كأنه رابية وعيناه كأنهما بابان، فترى الناس يدخلون في إحداهما، ويخرجون من الأخرى. ولقيت بهذه المدينة الشيخ الصالح السائح أبا الحسن الأقطاراني، وأصله من بلاد الروم، فأضافني وزارني وألبسني ثوباً، وأعطاني كمر الصحبة، وهو يحتبي به، فيعين الجالس، فيكون كأنه مستند. وأكثر فقراء العجم يتقلدونه. وعلى ستة أميال من هذه المدينة مزار ينسب إلى الخضر والياس عليهما السلام. يذكر أنهما يصليان فيه، وظهرت له بركات وبراهين. وهنالك زاوية يسكنها أحد المشايخ يخدم بها الوارد والصادر، وأقمنا عنده يوماً، وقصدنا من هنالك زيارة رجل صالح منقطع في آخر هذه الجزيرة، قد نحت غاراً لسكناه. فيه زاوية ومجلس ودار صغيرة له. فيها جارية وله عبيد خارج الغار يرعون بقراً له وغنماً. وكان هذا الرجل من كبار التجار فحج البيت وقطع العلائق وانقطع هنالك للعبادة، ودفع ماله لرجل من إخوانه يتجر له به. وبتنا عنده ليلة، فأحسن القرى وأجمل، رضي الله تعالى عنه، وسيمة الخير والعبادة لائحة عليه.
    ● [ ذكر سلطان هرمز ] ●

    وهو السلطان قطب الدين تمتهن طوران شاه " وضبط اسمه بفتح التاءين المعلوتين وبينهما ميم مفتوح وهاء مسكنة وآخره نون "، وهو من كرماء السلاطين، كثير التواضع حسن الأخلاق، وعادته أن يأتي لزيارة كل من يقدم عليه من فقيه أو صالح أو شريف ويقوم بحقه، ولما دخلنا جزيرته وجدناه مهيأ للحرب مشغولاً بها مع ابني أخيه نظام الدين. فكان في كل ليلة يتيسر للقتال. والغلاء مستولٍ على الجزيرة، فأتى إلينا وزيره شمس الدين محمد بن علي وقاضيه عماد الدين الشونكاري وجماعة من الفضلاء، فاعتذروا بما هم عليه من مباشرة الحرب. وأقمنا عندهم ستة عشر يوماً. فلما أردنا الانصراف قلت لبعض الأصحاب: كيف ننصرف ولا نرى هذا السلطان ? فجئنا على الوزير وكانت داره في جوار الزاوية التي نزلت بها، فقلت له، إني أريد السلام على الملك. فقال بسم الله، وأخذ بيدي فذهب بي إلى داره، وهي على ساحل البحر، والأجفان مجلسة عندها. فإذا شيخ عليه أقبية ضيقة دنسة، وعلى رأسه عمامة، وهو مشدود الوسط بمنديل، فسلم عليه الوزير وسلمت عليه ولم أعرف انه الملك. وكان إلى جانبه ابن اخته، وهو علي شاه ابن جلال الدين الكيجي، وكانت بيني وبينه معرفة، فأنشأت أحادثه، وأنا لا أعرف الملك، فعرفني الوزير بذلك. فخجلت منه لإقبالي بالحديث على ابن أخته دونه واعتذرت، ثم قام فدخل داره، وتبعه الأمراء والوزراء وأرباب الدولة. ودخلت مع الوزير، فوجدناه قاعداً على سرير ملكه وثيابه عليه لم يبدلها وفي يده سبحة جوهر، لم تر العيون مثلها لأن مغاصات الجوهر تحت حكمه. فجلس أحد الأمراء إلى جانبه، وجلست إلى جانب ذلك الأمير، وسألني عن حالي ومقدمي وعمن لقيته من الملوك فأخبرته بذلك. وحضر الطعام فأكل الحاضرون ولم يأكل معهم، ثم قام فودعته وانصرفت. وسبب الحرب التي بينه وبين ابني أخيه أنه ركب البحر مرة من مدينته الجديدة برسم النزهة في هرمز القديمة وبساتينها، وبينهما في البحر ثلاثة فراسخ كما قدمناه. فخالف عليه أخوه نظام الدين، ودعا لنفسه وبايعه أهل الجزيرة وبايعته العساكر، فخاف قطب الدين على نفسه وركب البحر إلى مدينة قلهات التي تقدم ذكرها، وهي من جملة بلاده، فأقام بها شهوراً وجهز المراكب وأتى الجزيرة، فقاتله أهلها مع أخيه وهزموه. وعاد إلى قلهات، وفعل ذلك مراراً. فلم تكن له حيلة إلا أن يراسل بعض نساء أخيه فسمته ومات. وأتى هو إلى الجزيرة فدخلها، وفر ابنا أخيه بالخزائن والأموال والعساكر إلى جزيرة قيس، حيث مغاص الجوهر، وصاروا يقطعون الطريق على من يقصد الجزيرة من أهل الهند والسند، ويغيرون على بلاده البحرية، حتى تخرب معظمها. ثم سافرنا من مدينة جرون برسم لقاء رجل صالح ببلد خنج بال. فلما عدينا البحر اكترينا دواب من التركمان، وهم سكان تلك البلاد، ولا يسافر فيها إلا معهم لشجاعتهم ومعرفتهم بالطرق. وفيها صحراء مسيرة أربع، يقطع بها الطريق لصوص الأعراب، وتهب فيها ريح السموم في شهري تموز وحزيران، فمن صادفته فيها قتلته. ولقد ذكر لي أن الرجل إذا قتلته تلك الريح وأراد أصحابه غسله ينفصل كل عضو منه عن سائر الأعضاء. وبها قبور كثيرة للذين ماتوا فيها بهذه الريح، وكنا نسافر فيها بالليل، فإذا طلعت الشمس نزلنا تحت ظلال الأشجار من أم غيلان، ونرحل بعد العصر إلى طلوع الشمس. وفي هذه الصحراء وما والاها كان يقطع الطريق بها جمال اللك الشهير الاسم هنالك.
    حكاية
    كان جمال اللك من أهل سجستان أعجمي الأصل " واللك بضم اللام " معناه الأقطع. وكانت يده قطعت في بعض حروبه. وكانت له جماعة كثيرة من فرسان الأعراب والأعاجم يقطع بهم الطرق. وكان يبني الزوايا، ويطعم الوارد والصادر من الأموال التي يسلبها من الناس. ويقال: إنه كان يدعو أن لا يسلط إلا على من لا يزكي ماله، وأقام على ذلك دهراً. وكان يغير هو وفرسانه ويسلكون براري لا يعرفها سواهم، ويدفنون بها قرب الماء ورواياه. فإذا تبعهم عسكر السلطان دخلوا الصحراء واستخرجوا المياه، ويرجع العسكر عنهم خوفاً من الهلاك. وأقام على هذه الحالة مدة لا يقدر عليه ملك العراق ولا غيره، ثم تاب وتعبد حتى مات، وقبره يزار ببلده. وسلكنا هذه الصحراء إلى أن وصلنا إلى كوراستان " وضبط اسمه بفتح الكاف واسكان الواو وراء "، وهو بلد صغير فيه الأنهار والبساتين وهو شديد الحر. ثم سرنا منه ثلاثة أيام في صحراء مثل التي تقدمت ووصلنا إلى مدينة لار " وآخر اسمها راء "، مدينة كبيرة كثيرة العيون والمياه المطردة والبساتين. ولها أسواق حسان، ونزلنا منها بزاوية الشيخ العابد أبي دلف محمد وهو الذي قصدنا زيارته بخنج بال. وبهذه الزاوية ولده أبو زيد عبد الرحمن، ومعه جماعة من الفقراء. ومن عادتهم أنهم يجتمعون بالزاوية بعد صلاة العصر من كل يوم، ثم يطوفون على دور المدينة فيعطاهم من كل دار الرغيف والرغيفان، فيطعمون منها الوارد والصادر. وأهل الدور قد ألفوا ذلك فهم يجعلونه في جملة قوتهم، ويعدونه لهم إعانة على إطعام الطعام. وفي كل ليلة جمعة يجتمع بهذه الزاوية فقراء المدينة وصلحاؤها، ويأتي كل منهم بما تيسر له من الدراهم، فيجمعونها وينفقونها تلك الليلة، ويبيتون في عبادة من الصلاة والذكر والتلاوة، وينصرفون بعد صلاة الصبح.
    ● [ ذكر سلطان لار ] ●

    وبهذه المدينة سلطان يسمى بجلال الدين، تركماني الأصل، بعث إلينا بضيافة. ولم نجتمع به ولا رأيناه. ثم سافرنا إلى مدينة خنج بال " وضبط اسمها بضم الخاء المعجم وقد يعوض منه هاء وإسكان النون وضم الجيم وباء معقودة وألف ولام "، وبها سكنى الشيخ أبي دلف الذي قصدنا زيارته، وبزاويته نزلنا. ولما دخلت الزاوية، رأيته قاعداً بناحية منها على التراب، وعليه جبة صوف خضراء بالية، وعلى رأسه عمامة صوف سوداء، فسلمت عليه، فأحسن الرد، وسألني عن مقدمي وبلادي وأنزلني. وكان يبعث إلي الطعام والفاكهة مع ولد له من الصالحين، كثير الخشوع والتواضع صائم الدهر كثير الصلاة. ولهذا الشيخ أبي دلف شأن عجيب وأمر غريب، فإن نفقته في هذه الزاوية عظيمة. وهو يعطي العطاء الجزيل، ويكسو الناس، ويركبهم الخيل، ويحسن لكل وارد وصادر. ولم أر في تلك البلاد مثله، ولا يعلم له جهة إلا ما يصله من الإخوان والاصحاب، حتى زعم كثير من الناس أنه ينفق من الكون. وفي زاويته المذكورة قبر الشيخ الولي الصالح القطب دانيال، وله اسم بتلك البلاد شهير. وشأن في الولاية كبير. وعلى قبره قبة عظيمة بناها السلطان قطب الدين تمتهن بن طوران شاه. وأقمت عند الشيخ أبي دلف يوماً واحداً، لاستعجال الرفقة التي كنت في صحبتها. وسمعت أن بالمدينة خنج بال المذكورة زاوية فيها جملة من الصالحين المتعبدين، فرحت إليها بالعشي، وسلمت على شيخهم وعليهم، ورأيت جماعة مباركة قد أثرت فيهم العبادة، فهم صفر الألوان نحاف الجسوم كثيرو البكاء غزيرو الدموع، وعند وصولي إليهم أتوا بالطعام. فقال كبيرهم: ادعوا إلي ولدي محمداً وكان معتزلاً في بعض نواحي الزاوية. فجاء إلينا الولد، وهو كأنما خرج من قبر مما نهكته العبادة، فسلم وقعد. فقال له أبوه: يا بني، شارك هؤلاء الواردين في الأكل تنل من بركاتهم، وكان صائماً فأفطر معنا، وهم شافعية المذهب، فلما فرغنا من أكل الطعام دعوا لنا وانصرفنا. ثم سافرنا منها إلى مدينة قيس. وتسمى أيضاً بسيراف، وهي على ساحل بحر الهند المتصل ببحر اليمن وفارس، وعدادها في كور فارس مدينة لها انفساح وسعة، طيبة البقعة، في دورها بساتين عجيبة، فيها الرياحين والأشجار الناضرة. وشرب أهلها من عيون منبعثة من جبالها، وهم عجم من الفرس أشراف، وفيهم طائفة من عرب بني سفاف، وهم الذين يغوصون على الجوهر.
    ● [ ذكر مغاص الجوهر ] ●

    ومغاص الجوهر فيما بين سيراف والبحرين في خور راكد مثل الوادي العظيم، فإذا كان شهر إبريل، وشهر مايو تأتي إليه القوارب الكثيرة فيها الغواصون وتجار فارس والبحرين والقطيف ويجعل الغواص على وجهه مهما أراد أن يغوص شيئاً يكسوه من عظم الغيلم، وهي السلحفاة ويصنع من هذا العظم أيضاً شكلاً شبه المقراض، يشده على أنفه، ثم يربط حبلاً في وسطه، ويغوص، ويتفاوتون في الصبر في الماء، فمنهم من يصبر الساعة والساعتين فما دون ذلك فإذا وصل إلى قعر البحر يجد الصدف هنالك فيما بين الأحجار الصغار. مثبتاً في الرمل، فيقتلعه بيده، أو يقطعه بحديدة عنده، معدة لذلك، ويجعلها في مخلاة جلد منوطة بعنقه، فإذا ضاق نفسه، حرك الحبل فيحس به الرجل الممسك للحبل على الساحل، فيرفعه إلى القارب، فتؤخذ منه المخلاة، ويفتح الصدف فيوجد في أجوافها قطع اللحم تقطع بحديدة، فإذا باشرت الهواء جمدت فصارت جواهر ، فيجمع جميعها من صغير وكبير، فيأخذ السلطان خمسه والباقي يشتريه التجار الحاضرون بتلك القوارب وأكثرهم يكون له الدين على الغواصين، فيأخذ الجوهر في دينه أو ما وجب له منه، ثم سافرنا من سيراف إلى مدينة البحرين، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات بساتين وأشجار وأنهار، وماؤها قريب المؤونة يحفر عليه بالأيدي فيوجد، وبها حدائق النخل والرمان والأترج، يزرع بها القطن وهي شديدة الحر كثيرة الرمال وربما غلب الرمل على بعض منازلها وكان فيما بينها وبين عمان طريق استولت عليه الرمال وانقطع، فلا يوصل من عمان إليها إلا في البحر، وبالقرب منها جبلان عظيمان يسمى أحدهما بكسير، وهو في غربيها، ويسمى الآخر يعوير وهو في شرقيها وبهما ضرب المثل فقيل " كسير وعوير وكل غير خير، ثم سافرنا إلى مدينة القطيف، " وضبط اسمها بضم القاف "، كأنه تصغير قطف، وهي مدينة كبيرة حسنة ذات نخل كثير يسكنها طوائف العرب، وهم رافضية غلاة، يظهرون الرفض جهاراً لا يبقون أحداً، ويقول مؤذنهم في أذانه بعد الشهادتين: أشهد أن علياً ولي الله ويزيد بعد الحيعلتين: حي على خير العمل، ويزيد بعد التكبير الأخير محمد وعلي خير البشر، ومن خالفهما فقد كفر. ثم سافرنا منها إلى مدينة هجر وتسمى الآن بالحسا " بفتح الحاء والسين واهمالهما " وهي التي يضرب المثل بها، فيقال: كجالب التمر إلى هجر، وبها من النخيل ما ليس ببلد سواها ومنه يعلفون دوابهم، وأهلها عرب، وأكثرهم من قبيلة عبد القيس بن أفصى. ثم سافرنا منها إلى مدينة اليمامة وتسمى أيضاً بحجر " بفتح الحاء المهمل واسكان الجيم " مدينة حسنة خصبة ذات أنهار وأشجار، يسكنها طوائف من العرب، وأكثرهم من بني حنيفة، وهي بلدهم قديماً، وأميرهم طفيل بن غانم، ثم سافرت منها في صحبة هذا الأمير برسم الحج وذلك في سنة اثنتين وثلاثين فوصلت إلى مكة شرفها الله تعالى. وحج في تلك السنة الملك الناصر سلطان مصر رحمه الله وجملة من أمرائه، وهي آخر حجة حجها، وأجزل الإحسان لأهل الحرمين الشريفين وللمجاورين وفيها قتل الملك الناصر أمير أحمد الذي يذكر أنه ولده، وقتل أيضاً كبير أمرائه بكتمور الساقي.
    حكاية
    ذكر أن الملك الناصر وهب لبكتمور الساقي جارية، فلما أراد الدنو منها قالت له: إني حامل من الملك الناصر فاعتزلها وولدت ولداً سماه بأمير أحمد، ونشأ في حجره، فظهرت نجابته واشتهر بابن الملك الناصر، فلما كان في هذه الحجة تعاهد على الفتك بالملك الناصر، وأن يتولى أمير أحمد الملك، وحمل بكتمور معه العلامات والطبول والكسوات والأموال، فنمي الخبر إلى الملك الناصر، فبعث إلى أمير أحمد في يوم شديد الحر، فدخل عليه، وبين يديه أقداح الشرب، فشرب الملك الناصر قدحاً، وناول أمير أحمد قدحاً ثانياً فيه السم فشربه، وأمر بالرحيل في تلك الساعة ليشغل الوقت فرحل الناس، ولم يبلغوا المنزل حتى مات أمير أحمد، فاكترث بكتمور لموته، وقطع أثوابه، وامتنع من الطعام والشراب وبلغ خبره إلى الملك الناصر فأتاه بنفسه ولاطفه وسلاه، وأخذ قدحاً فيه سم فناوله إياه وقال له: بحياتي عليك إلا شربت فبردت نار قلبك، فشربه ومات من حينه، ووجد عنده الخلع السلطنة والأموال فتحقق ما نسب من الفتك بالملك الناصر. ولما انقضى الحج توجهت إلى جدة برسم ركوب البحر إلى اليمن والهند فلم يقض لي ذلك، ولا تأتى لي رفيق، وأقمت بجدة نحو أربعين يوماً وكان بها مركب لرجل يعرف بعبد الله التونسي يروم السفر إلى القصير، من عمالة قوص فصعدت إليه لأنظر حاله فلم يرضني، ولا طابت نفسي بالسفر فيه وكان ذلك لطفاً من الله تعالى. فإنه سافر، فلما توسط البحر غرق بموضع يقال له: رأس أبي محمد، فخرج صاحبه وبعض التجار في العشاري بعد جهد عظيم، واشرفوا على الهلاك، وهلك بعضهم، وغرق سائر الناس وكان فيه نحو سبعين من الحجاج، ثم ركبت البحر بعد ذلك في صنبوق برسم عيذاب، فردتنا الريح إلى جبل يعرف برأس دواير وسافرنا منه في البر مع البجاة. ووردنا ماء كثيرة النعام والغزلان، فيها عرب جهينة وبني كاهل وطاعتهم للبجاة. ووردنا ماء يعرف بمفرور، وماء يعرف بالجديد. ونفذ زادنا فاشترينا من قوم من البجاة وجدناهم بالفلاة أغناماً وتزودنا لحومها ورأيت بهذه الفلاة صبياً من العرب كلمني باللسان العربي وأخبرني أن البجاة أسروه، وزعم أنه منذ عام لم يأكل طعاماً. وإنما يقتات بلبن الإبل ونفد منا بعد ذلك اللحم الذي اشتريناه، ولم يبق لنا زاد وكان عندي نحو حمل من التمر الصيحاني والبرني برسم الهدية لأصحابي ففرقته على الرفقة، وتزودناه ثلاثاً وبعد مسيرة تسعة أيام من رأس دواير، وصلنا إلى عيذاب وكان قد تقدم إليها بعض الرفقة، فتلقانا أهلها بالخبز والتمر والماء وأقمنا بها أياماً واكترينا الجمال وخرجنا صحبة طائفة من عرب دغيم ووردنا ماء يعرف بالجنيب ولعله " الخبيب "، وحللنا بحميثرا، حيث قبر ولي الله تعالى أبي الحسن الشاذلي، وحصلت لنا زيارته ثانية، وبتنا في جواره ثم وصلنا إلى قرية العطواني، وهي على ضفة النيل، مقابلة لمدينة إدفو من الصعيد الأعلى. وأجزنا النيل إلى مدينة أسنا ثم إلى مدينة أرمنت ثم إلى الأقصر، وزرنا الشيخ أبا الحجاج الأقصري ثانية ثم إلى مدينة قوص ثم إلى مدينة قنا وزرنا الشيخ عبد الرحيم القناوي ثانية، ثم إلى مدينة هو ثم إلى مدينة أخميم ثم إلى مدينة أسيوط، ثم إلى منفلوط، ثم إلى مدينة منلوى، ثم إلى مدينة الأشمونين، ثم إلى مدينة منية بن الخصيب ثم إلى مدينة البهنسة ثم إلى مدينة بوش ثم إلى مدينة منية القائد. وقد تقدم لنا ذكر هذه البلاد، ثم إلى مصر وأقمت بها أياماً وسافرت على طريق بلبيس إلى الشام ورافقني الحاج عبد الله بن أبي بكر بن الفرحان النوزري، ولم يزل في صحبتي سنين، إلى أن خرجنا من بلاد الهند، فتوفي بسندابور، وسنذكر ذلك، فوصلنا إلى مدينة غزة ثم إلى مدينة الخليل عليه السلام، وتكررت لنا زيارته، ثم إلى بيت المقدس ثم إلى مدينة الرملة ثم إلى مدينة عكا ثم إلى مدينة طرابلس ثم إلى مدينة جبلة وزرنا إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه ثانية، ثم إلى مدينة اللاذقية، وقد تقدم لنا ذكر هذه البلاد كلها ومن اللاذقية ركبنا البحر في قرقورة كبيرة للجنويين يسمى صاحبها بمرتلمين، وقصدنا بر التركية المعروف ببلاد الروم، وإنما نسبت إلى الروم لأنها كانت بلادهم في القديم، ومنها الروم الأقدمون واليونانية ثم استفتحها المسلمون وبها الآن كثير من النصارى تحت ذمة المسلمين من التركمان وسرنا في البحر عشراً بريح طيبة، وأكرمنا النصراني ولم يأخذ منا نولاً. وفي العاشر وصلنا إلى مدينة العلايا، وهي أول بلاد الروم وهذا الأقليم المعروف ببلاد الروم من أحسن أقاليم الدنيا وقد جمع الله فيه ما تفرق من المحاسن في البلاد فأهله أجمل الناس صوراً وأنظفهم ملابس وأطيبهم مطاعم وأكثر خلق الله شفقة ولذلك يقال البركة في الشام، والشفقة في الروم وإنما عنى به أهل هذه البلاد. وكنا متى نزلنا بهذه البلاد زاوية أو داراً، يتفقد أحوالنا جيراننا من الرجال والنساء، وهن لا يحتجبن فإذا سافرنا عنهم ودعونا كأنهم أقاربنا وأهلنا وترى النساء باكيات لفراقنا متأسفات ومن عادتهم بتلك البلاد أن يخبزوا الخبز في يوم واحد من الجمعة، يعدون فيه ما يفوتهم سائرها فكان رجالهم يأتون إلينا بالخبز الحار في يوم خبزه، ومعه الإدام الطيب إطرافاً لنا بذلك، ويقولن لنا: إن النساء بعثن هذا إليكم وهن يطلبن منكم الدعاء، وجميع أهل هذه البلاد على مذهب الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه، مقيمين على السنة لا قدري فيهم ولا رافضي ولا معتزلي ولا خارجي ولا مبتدع وتلك فضيلة خصهم الله تعالى بها. إلا أنهم يأكلون الحشيش ولا يعيبون ذلك. ومدينة العلايا التي ذكرناها كبيرة على ساحل البحر، يسكنها التركمان، وينزلها تجار مصر وإسكندرية والشام وهي كثيرة الخشب، ومنها يحمل إلى اسكندرية ودمياط، ويحمل منها إلى سائر بلاد مصر، ولها قلعة بأعلاها عجيبة منيعة، بناها السلطان المعظم علاء الدين الرومي، ولقيت بهذه المدينة قاضيها جلال الدين أرزنجاني، وصعد معي إلى القلعة يوم الجمعة فصلينا بها. وأضافني وأكرمني، وأضافني أيضاً بها شمس الدين ابن الرجيحاني الذي توفي أبوه علاء الدين بمالي من بلاد السودان.


    رحلات إبن بطوطة
    الجزء الأول
    منتدى توتة وحدوتة - البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يناير 20, 2019 2:57 pm