ذكر آدم عليه السلام وولده

    شاطر

    همسات
    Admin

    المساهمات : 1036
    تاريخ التسجيل : 18/02/2015

    ذكر آدم عليه السلام وولده

    مُساهمة من طرف همسات في الأربعاء ديسمبر 12, 2018 10:44 am


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مُختصر أخبار الزمان
    ذكر آدم عليه السلام وولده


    أجمع أهل الأثر أن آدم عليه السلام خلق يوم الجمعة، لست خلون من نسيان وكساه الله لباساً من ظفره، وأسجد له ملائكته فسجدوا إلا إبليس، وكان ملكا على الأرض يصعد إلى السماء متى شاء، فأبى من السجود لآدم، وقال أنا كنت خليفتك على الأرض وهو من تراب كنت أطؤه، وأنا من نار وهو من طين، فلي عليه الفضل من كل جانب، وأفضله بالأجنحة التي أغشى بها أقطار الأرض في اقل من لمح البصر، فلما امتنع من السجود أبلسه الله ولعنه.
    وخلق حواء وألبسها لباسه واسكنها الجنة لثلاث ساعات مضت من ذلك اليوم وأباحهما جميع ما في الجنة الا الشجرة التي نهاهما عنها، وهي على قول اكثر أهل العلم البر، وكانت الحبة بقدر الأترجة.
    ولما رأى آدم ما أعطيه من الكرامة اشتاق إلى الخلود فطمع فيه إبليس، فاحتال حتى دخل الجنة. فخاطب حواء فيها وقال لها ماذكره الله تعالى فى كتابه ( مانهاكما ربكما عن هذه الشجرة الا إن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين، وقاسمهما أني لكما من الناصحين ) ولم يزل بحواء حتى أكلت من الشجرة وأطعمت منها لآدم فأكل، فلما أكلا منها انكشف لباسهما إلى أطراف أصابعهما وبدت لهما سوآتهما، وهرب آدم في الجنة يميناً وشمالاً لا يدري ما يصنع، فتعلقت به شجرة الاترج وحبسته بناصيته ومعه حواء، فطفقا يأخذان من ورق الجنة ويستتران بها فقال الله عز وجل: " قد جعلت هذه الشجرة غذاء لكما ولذريتكما "، يعني الشجرة التي آكلا منها عاصيين، واهبطوا الى الأرض، فكان مقام آدم في الجنة مع حواء ثلاث ساعات، مقدار مائتين وخمسين سنة من أيام الدنيا، وهو ربع يوم من أيام الآخرة الذي هو ألف سنة.
    فاهبط آدم على جبل سرنديب وعليه الورق المخصوف من الجنة، فلما جف الورق وذهبت رطوبته تقطع وسقط فنسفته الريح وطرحته إلى كل جهة فنبت منه بأرض الهند أنواع الطيب الأفاويه، والتمر الذي لا يوجد إلا هناك، وفيه العود ودواب المسك، وحوله أصناف اليواقيت والماس، وفي بحره مغايص اللؤلؤ.
    وسمى الله آدم عبد الله وكناه أبا محمد وكان طويلا فيه حُسن وبهاء، فلما نزل إلى الأرض نقص من لونه وحسنه وطوله. وكان يتكلم بالعربية فحول الله عز وجل لسانه إلى السريانية، وانتزع منه ما علمه ثم رده الله سبحانه وتعالى بعد توبته إليه.
    وأهبط حواء على جدة وبيدها قبضة من جوهر الجنة فتناثر منه من يدها شيء فكانت الجواهر منه، ونقص أيضاً من حسنها وبهائها.
    وتاب الله سبحانه على آدم عليه السلام وعلمه استخراج الحديد وسبكه وعمل الزبدة المطرقة والكلاليب والمدية وآلات الأرض وما يحتاج إليه من جميع الآلات.
    وعلمه ما يأكله من دواب الأرض، وما يجتنبه وأمر بالمسير إلى مكة، وكان موضع قدمه عمراناً وما بينهما مفاوز، وأتى جدة فوجد بها حواء تبكي فقال لها هذا عملك.
    وقيل له إيت الكعبة فطف بها، فمشى إليها فتلقته الملائكة بالأبطح فقالوا له حياك الله يا آدم، لقد طفنا قبلك هذا البيت بألفي عام ولسنا بأول من حجه، وعلمه جبريل عليه السلام المناسك وأنزلت عليه إحدى وعشرون صحيفة، وفرض عليه الصلاة والزكاة والاغتسال من الجنابة والوضوء، وزرع وحصد، وخبز، ثم قيل هذا دأبك أنت وذريتك، فقال يا رب ما بلغت هذا إلا بشق النفس فقيل له هذا بخطيئتك.
    وعوقبت حواء بعشر خصال: وجع العذرة، ووجع الولادة، وطول الحمل، والحيض، وحزن الموت، وقناع الرأس، وملكة الرجال للنساء، وأن تكن تحت الرجل عند الجماع، والولولة عند المصيبة، ورقة القلب عند الحزن وجمع بين آدم وحواء بجمع وتعارفا.
    وعوقب آدم بنقصان طوله، وتغير حسنه، وخوفه من السباع، وكانت تخافه، وحُكم عليه وعلى ذريته بالموت، وحفظت عليه أعماله، وكلف النظر في رزقه والتعب فيه،
    وإن آدم غشي حواء فولدت له قابيل وتوأمته قليما، وكان كذلك يولد له توأمين في كل بطن. ثم ولدت له هابيل وتوأمته لبوذا فشغل قابيل بالحرث، وشغل هابيل برعي الغنم، ثم أمره أن يزوج هابيل من أخت قابيل فضربها وقال أنا أحق بأختي منه، فأمرهما أبوهما أن يقربا قرباناً فأيهما تقبل قربانه كان أحق بأخت قابيل، فرضيا بذلك. وقرب كل منهما قربانه، وكان ذلك بينهما يوم الجمعة، وجاءت النار إلى القربان، وأخذت الكبش الذي كان لهابيل، وحملته ولم تتقبل قربان قابيل، فأغضبه ذلك وعزم على قتل أخيه بعد منصرفهما من منى، فلم يدر كيف يقتله فتصور له إبليس لعنه الله في صوره إنسان، وأخذ طائراً ففشخ رأسه بحجر فقتله، وحمله معه حتى غاب عن عينه فاغتفل قابيل هابيل حتى نام عند غنمه، وهي ترعى فحمل حجراً فطرحه على رأسه فقتله، ثم تحير فيما يفعل به، فأرسل الله الغراب ليتعلم منه قابيل كيف يوارى أخيه بعد ان قتله وباء بإثمه الى يوم القيامة. ثم فر هاربآ خوفآ من ابيه. وطال تحسر آدم عليه السلام على ابنه هابيل وعلى الجنة فانزل الله تعالى له خيمة من خيام الجنة من ياقوتة حمراء وضعت مكان الكعبة.
    ولمائتين وثلاثين سنة من مهبط آدم ولد له شيث وهو هبة الله وتوأمته، فتقول أصحاب التواريخ: إنه ولد له مائة وعشرون بطناً، وأمر آدم عليه السلام بكتب الصحف، وعلم اللغات كلها، وعلم الأسماء التي قهر بها الجان والشياطين وعلم حساب الأزمنة وسير الكواكب.
    وسأل ربه أن يريه الدنيا وما يكون فيها من خير وشر، فمثلت له براً وبحراً فنظر اليها والى ملوكها وسكانها من ولده، وصور الأنبياء وما يكون في العالم ويدور فيه من خير وشر الى انقضائها.
    ولما كثر ولده وولد ولده بعثه الله إليهم وأمره أن يأمرهم بما أمره الله به وينهاهم عما نهاه عنه، ويقال إنه أرسل وهو ابن تسعمائة سنة وسبعين سنة.
    ولما أراد الله سبحانه وتعالى أن يتوفاه أمره ان يسند وصيته الى ابنه شيث ويعلمه جميع العلوم التي علم بها ففعل وكان سبب وفاته عليه السلام أنه انصرف من الفلاحة موعوكاً فحم ومرض إحدى وعشرين يوماً والملائكة تختلف اليه.
    ويقال إنه اشتهى قطفاً من عنب الجنة فوجه بعض ولده يسأل له ذلك ممن لقيه من الملائكة، فلقيه جبريل عليه السلام فعزاه في ابيه وقال ارجع فان أباك قد مات. وكان سنه يومئذ تسعمائة وثلاثين سنة، وقالوا تسعمائة وخمسين سنة بعد ما وهب لداود منها خمسين سنة وأتاه جبريل عليه السلام بكفن وحنوط من الجنة.
    وعلم شيث كيف يغسله ويكفنه، وقيل هذه سنة لكم في موتاكم بعده، وحمل الى غار الكنز في جبل أبي قبيس فدفن فيه، وكانت وفاته عليه السلام يوم الجمعة، ومات وولده وولد ولده أربعون ألف بيت ورفعت مع موته الخيمة الياقوت التي كانت بموضع الكعبة.
    وحزنت عليه حواء حزناً شديداً وبقيت بعده سنة ثم ماتت عليها رحمة الله، وصلى عليها شيث ودفنها الى جانب آدم صلى الله عليه وسلم وعلى جميع النبيين والمرسلين.

    ذكر شيء من أخبار ولده
    كان قابيل ولد آدم عليه السلام، وأول من عصا وقتل وكفر ولما قتل أخاه هرب عن ذلك الجبل بأخته وبنى قرية يقال لها خلوا وسكنها، وقابيل أول من عبد النار، وقيل إنه أشقى البرية وإن عليه نصف عذاب الخلق، وقيل إنه متى سفك دم بغير وجه حق كان شريكاً لصاحبه فيه.
    شيث بن آدم بعثه الله الى ولد أبيه وأنزل عليه سبعاً وعشرين صحيفة عليه وعلى أبيه، وأمره ببناء البيت هو وولده بالحجاز، وأمره بالحج والعمرة، وكان أول من اعتمر، وأمر بجهاد ولد قابيل إلا أنه لا يبرح بين تهامة ومكة. وولد أنوش بن شيث عليهما السلام وهو بكره ووصيه،
    ومن ولد أتركين ابن شيث، يغوث ويعوق ونسر وسواع وود، فكان هؤلاء النفر قوماً صالحين، فلما ماتوا حزن عليهم أبناؤهم حزنا شديداً فتمثل لهم إبليس وصور لهم صورهم من المرمر، وجعلها في بيوتهم ليتذكروا بها ويتآنسوا ويخف حزنهم عليهم، فلما ملكوا ونشأ غيرهم، صور إبليس عندهم أنهم آلهة وأن آباءهم كان يعبدونها واستهواهم فعبدوها، وكان عمر شيث سبعمائة سنه واثنا عشرة سنة، وولد له وهو ابن مائة وخمسين سنة.
    وأوصى الى ابنه قينان وقد كان علمه الصحف وبين له قسمة الأرض، وما يكون فيها، وأمره بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والحج، وبجهاد ولد قابيل ففعل ما أمره به أبوه ومات قينان وله سبعمائة سنة وعشرون سنة.
    وأوصى الى ابنه مهلايل ووصاه بما أوصاه به، وكان عمر مهلايل ثمانمائة سنة وخمسة وسبعين سنة.
    وأوصى الى ابنه بوارد وعلمه الصحف وعلمه قسمة الأرض، وما يحدث في العالم ودفع إليه كتاب سر الملكوت الذي علمه مهلاييل الملك لآدم عليهما السلام وكانوا يتوارثونه مختوماً لا ينظرون فيه.
    وولد لبوارد وهو ابن مائة سنة ابنه خنوخ، ويقول بعض اهل التاريخ إنه تم للعالم في وقته ألفان وستمائة سنة وأربع سنين.
    خنوخ هو إدريس النبي عليه السلام ونبأه الله تعالى وسمي إدريس لكثرة درسه لكتاب الله عز وجل، وسنن الدين وأنزل الله سبحانه وتعالى عليه ثلاثين صحيفة فكملت الصحف المنزلة يومئذ ثلاثين صحيفة، وعهد بوارد إلى خنوخ ورفع إليه وصية أبيه وعلمه العلوم التي كانت عنده ودفع اليه مصحف السر فلم يدفعه بعد شيث غير إدريس عليهما السلام.
    وفي بعض الأخبار انه أول من كتب من ولد آدم عليه السلام. وقال آخرون إنه لم يخل قط جيل ولا أمة من الكتابة لان إدريس بدت فيه النبوة وعلم عدة خطوط وأمر بجمع المصاحف وتركها في الهيكل وأمر بني آدم وغيرهم بدرسها، وفي بعض الأخبار انهم كانوا يلبسون القمص من فاخر الحرير والخز وغيرهما من الملونات والمنسوجات بالذهب والمنظومات بالجوهر ويلبسون التيجان.
    وقد كانت حواء أمرت بالنسج والمغزل، فغزلت القطن والكتان والوبر ونسجت وكست أولادها، وقد لبس آدم عليه السلام من غزل حواء.
    ويقال إنه لما ولد إدريس عليه السلام ضعف أمر عبادة الأصنام من أولاد قابيل، وسقط عظيم من أصنامهم الذين كانوا يعبدونه ويعتكفون عليه ويذبحون، وكان ملكهم يومئذ يمحويل، فاجتمعوا اليه ليتداولوا فيما ظهر لهم، فجاءهم ابليس في صورة شيخ قد كثر شيبه، وكان الشيب عندهم عجيباً لأنهم لم يكونوا رأوه، إذ لم يكن قبل ذلك شيب ولا ظهر لهم إلا بعد نوح عليه السلام بعد الطوفان. وقيل أول من شاب إبراهيم عليه السلام، فقال يارب ما هذا، قال وقار، قال اللهم زدني وقاراً.
    ويقال إنه أتاهم إبليس في صورة روحاني له جناحان، فقال لملكهم يمحويل إنه قد ولد الآن لمهلاييل ولد يكون عدواً للآلهة وعدواً للملك، وسبب فسادها ولذلك أصابكم ما أنتم به مشغولون، فقال يمحويل فهل تقدر على هلاكه، قال سأحرص على ذلك فوكل الله بإدريس ملائكة يحفظونه، فاذا أتاهم إبليس ومن معه من جنوده منعوهم منه.
    وظهر في وقته كوكب من كواكب الذوائب أقام ظاهراً نيفاً وثلاثين يوماً، فجعله أبوه سالماً الهيكل، وعلمه الصحف، وكان حريصا على دراستها وعلى الصوم والصلاة حتى شب فنبأه الله عز وجل على رأس أربعين سنة، فأتاه وراييل الملك يعلمه الفلك والكواكب وسعودها ونحوسها وصور الدرج والبروج. وقيل أنه أول من نظر في النجوم بعد آدم عليه السلام. وفي التوراة ان إدريس عليه السلام احسن خدمة الله فرفعه الله تعالى اليه.
    ولما رأى إدريس بني قابيل في المعاصي وعبادة الأصنام سأل الله ان يرفعه اليه، وان يطهره من خطاياه فأجابه إلى ذلك، وأوحى الله اليه ان يلازم الهيكل هو وشيعته أربعين يوماً،
    وأوصى إدريس الى ابنه متوشلخ لأن الله أوحى اليه ان اجعل الوصية في ابنك متوشلخ فإني سأخرج من ظهره نبياً يرتضي فعله.
    فقيل انه رفع الى السماء السابعة، وقيل إنه كانت له قصة مع ملك الموت، وقد سأل الله ان يذيقه طعم الموت، ثم سأل الله ان يريه رضواناً ويدخله الجنة، ففعل ولم يخرج من الجنة، ورفعه الله وهو ابن مائة وخمسين سنة.
    وأما متوشلخ فأقام مع أخوته وبني أخيه، أمام الهيكل يعبدون الله تعالى والنقباء السبعون معهم.
    ولما رفع الله تعالى إدريس عليه السلام كثر الاختلاف بعده والتنازع وأشاع عليه إبليس أنه هلك، وأنه كان كاهناً أراد الصعود إلى الفلك فأحرق، وحزن عليه ولد آدم المتمسكون بدينه حزناً شديداً،
    وانقطع الوحي بعد إدريس عليه السلام، ومات أولئك النقباء، فكلما مات واحد منهم صور بنوه وأهله صورته في بيت لهم ليذكروه ويستغفروا له، وأراد متوشلخ فساد تلك الصور فامتنعوا عليه، فلما حضرته الوفاة أوصى الى ابنه لمك ومعنى لمك الجامع، وعهد اليه أبوه ودفع اليه الصحف والكتب المختومة التي كانت لإدريس عليه السلام، وكان عمر متوشلخ تسعمائة سنة.
    وانتقلت الوصية الى لمك وهو أبو نوح عليهما السلام، وقد كان رأى أن ناراً أخرجت من فيه، فأحرقت العالم ورأى وقتاً آخر كأنه على شجرة في وسط بحر لاغير.
    ولما ولد له نوح عليه السلام، ذكر العلماء والكهان ذلك ليمحويل الملك وعرفوه أن العالم يهلك في زمانه وأنه يكون طويل العمر.
    وقد كانوا رأوا أنه طوفان يغرق الأرض، فأمر يمحويل أن يبنيا له المعاقل على رءوس الجبال، بنياناً عالياً ليحصنوا بها، فعملوا منها سبعة معاقل بعدة الأصنام التي كانت لهم وعلى أسمائها، وزبروا عليها شيئاً من علومهم ويقال إن الملك عملها لنفسه خاصة.
    وكبر نوح عليه السلام فنبأه الله عز وجل وهو ابن خمسين سنة وارسله الى قومه، و كان من نعته أنه آدم رقيق البشرة، في رأسه طول، عظيم العينين رقيق الساعدين والساقين، كثير لحم الفخذين طويل اللحية عريضها، طويل، جسيم وكان حياً بعد إدريس عليهما السلام، وهو من أولي العزم من الرسل.
    وفي بعض الأخبار أن عمره ألف ومائتين وخمسين سنة، وأنه لبث في قومه يدعوهم الى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاماً كما قال الله تعالى، وقال من ينكر طول الأعمار على مذهب الفلاسفة ان حياته لبنيه، وكانت شريعته التوحيد والصلاة والصيام والحج ومجاهدة أعداء الله من ولد قابيل، وأمر بالحلال ونهى عن الحرام، ولم يكن فرضت عليه أحكام ولا مواريث ولا حدود، وأمر أن يدعو الناس الى الله تعالى، ويحذرهم عذابه، ويذكرهم آلاءه.
    وعلى رأس مائتي سنة من عمره هلك يمحويل ملك الكفرة وملك بعده ابنه الدرمشيل، فزاد في عبادة الأصنام وتحليتها والذبائح لها، وجمع الناس اليها فعملوا عيداً لم يبق احد إلا حضره وكانت لهم يومئذ سبعة أصنام يغوث ويعوق ونسر وود وسواع ومزية وضمر، وسنذكرها عند ذكر المتعبدات.
    فأظهر نوح عليه السلام دين الله عز وجل، وكان يدور في محالهم وأسواقهم وهياكلهم يدعوهم الى الله تعالى كانوا يطوون ذلك عن مليكهم، ويزجرون مع ذلك نوحاً ويهددونه، ويهولون عليه، إلى أن جلت قصته، وعظم أمره، وتحاماه الناس، وتخاطبوا في أمره، الى أن اتصل ذلك بمليكهم فأحضره وانتهره، وتقدم اليه أن لا يعاود.
    ويقال إن الذي فعل هذا يمحويل، وإنه حبسه، وبعد ثلاث سنين من حبسه هلك يمحويل. وولي الدرمشيل، فأخرجه من الحبس، وتقدم اليه أن ينتهي عن إفساد الدين وسب الآلهة، فكان لكل صنم من أصنامهم الكبار عيد في وقت من أوقات السنة يحضرون وينحرون له ويطوفون به، فحضر عيد يغوث، فاجتمع الناس اليه من كل مكان، فأتاهم نوح عليه السلام، فقام في وسطهم وناداهم أن قولوا لا إله إلا الله، فوضعوا أصابعهم في آذانهم، وأدخلوا رءوسهم تحت ثيابهم وسقطت الأصنام عند ندائه عن كراسيها، فوثبوا عليه فضربوه وشجوه، حتى سقط على وجهه وسحبوه الى قصر الملك حتى ادخلوه عليه، وكان في مجلس مزخرف بأنواع الألوان، وبدائع التصاوير والأصباغ، مفروش برفيع الحرير، وعلى سرير مصفح بالذهب، منظوم بالجوهر.
    فلما مثل بين يديه قال له: ألم اهد إليك وانهك عن التعرض لشيء من أمور الآلهة، و ان تدعوهم الى ما لا يعرفونه، وزاد أمرك حتى سجدت الآلهة، وألقيتها عن كراسيها، ومواضع شرفها وعزها، من علمك ذلك ومن أين وصل إليك، فقال له نوح عليه السلام وهو مخضوب بدمائه: لو كانت آلهة لما سقطت، فاتق الله يا درمشيل، ولا تشرك بالله فانه يراك، فقال له الملك، فكيف قدرت أن تخاطبني بهذا الخطاب، فأمر بحبسه الى أن يحضر عيد الصنم الآخر فيذبحه له تقربا به اليه، وأمر برد الأصنام على كراسيها. ولكن الدرمشيل رأى رؤيا هالته في أمر نوح عليه السلام، فأمر بإخراجه وتخلية سبيله، وأخبرهم أنه مجنون لا حرج عليه.
    وكان في زمانه سويدين الكاهن فعرفهم بأمر الطوفان، وقرب زمانه، وكان يأمر بقتل نوح عليه السلام والله يعصمه منهم.
    فولد لنوح بعد خمسمائة سنة من عمره سام وبعده حام وبعده يام وبعده يافث، وطال أمر نوح معهم فلم يؤمن به إلا نفر يسير من العالم، وقيل له أنؤمن بك، واتبعك الأرذلون. وقيل كانوا من أهل صنعته، وكان نوح عليه السلام نجارا، ومضت لهم ثلاثة قرون، قرن بعد قرن، ونوح عليه السلام يذكرهم ويدعوهم إلى الله تعالى فلا يزدادون إلا طغياناً وعتواً وتجبراً واستكباراً، وقتل من كان اتبعه فكان يدعوهم الى الله سبحانه فأوحى الله اليه ( إنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن ) فحينئذ يئس منهم ودعا عليهم، فقال ( رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا ).
    وأمر نوح عليه السلام بعمل السفينة وقد قطع الله عن قومه النسل، وكثر عليهم القحط، وقلت عمارتهم وكانوا يستعينون على عبادتهم بأصنامهم ولا تنفعهم.
    وابتدأ نوح بعمل السفينة، أقام في قطع خشبها من الساج وفي عملها ثلاث سنين، ثم صنع المسامير وأعد كل ما يحتاج اليه ونصبها في رجب، وأمر أن يجعل طولها ثلاثمائة ذراع؛ وعرضها خمسين ذراعا، وعمقها سبعين ذراعا. ويقال إنه لم يدر كيف يعملها فأتاه جبريل عليه السلام، وأمره أن يعملها على صورة الدجاجة وكانوا يهزءون منه وهو يصنعها فيضحكون منه، ويرمونه بالحجارة وجعل بابها في جنبها، فأقامت بعد أن فرغ منها في البر سبعة أشهر الى أن أخذا من أصحاب نوح الذين كانوا معه ثلاثة رجال فذبحوا الأصنام تقربا ليندفع عنهم القحط فيما زعموا، فحق عليهم العذاب. وأمر نوح عليه السلام أن يحمل فيها من كل زوجين اثنين من جميع الحيوان، وكانت الطبقة السفلى للدواب والأنعام والوحوش، والثانية للطعام والشراب، والثالثة لهم وكانوا ثمانين نفساً، نوح وبنوه عليه السلام سام وحام يافث، وأهله وناسه، وحملت الملائكة تابوت آدم عليه السلام من خشب فيه جسده، وكان معهم في السفينة، وكان التابوت بتهامة، وكان معه في السفينة. وركب معه المؤمنون من ولد أبيه وجده إدريس عليه السلام، فلما نزلوا من السفينة بنوا قرية وسموها سوق ثمانين، فهي اليوم تعرف بذلك هناك.
    ويقال أنه لما اتصل الخبر بدرمشيل، أن نوحا قد ركب السفينة وحمل زاده قال وأين الماء الذي يحملهم، فركب في عدة من أصحابه وسار إلى السفينة، وقد أجمع على إحراقها، فنادى نوحا عليه السلام فاستجاب له، فقال وأين الماء الذي يحمل سفينتك، قال هو يأتيك في مقامك هذا، فقال وهذا أعجب، إنك تقول إنه يكون في أرض يبس ماء غمر يحمل مثل هذه السفينة، انزل منها أنت ومن معك وإلا أحرقتكم أجمعين، فقال له نوح عليه السلام ما أكثر اغترارك بالله عز وجل، فعجل الإيمان، واخلع أنداد الله تعالى تسلم وترشد، وإلا فالعذاب بين يديك.
    وهو في محاورته إذ أتاه من أخبره أن امرأة كانت تخبز في تنور لها، فنبع الماء منه، فقال وما عسى أن يكون من ماء نبع من تنور. فقال له نوح عليه السلام ويحك إنه علامة السخط، وكذلك أوحى إلي ربي، وآية ذلك ان الأرض تتخلخل من جميعها فأزل فرسك من موضعه، فان الماء ينبع من تحت قوائمه، فأزال الملك فرسه من موضعه، فاذا الماء ينبع من تحت قوائمه، فسار إلى موضع آخر فكان كذلك، وعادت رسله تخبره أن الماء كثر وفار، فرجع الى داره ليأخذ أهله وولده ويمضي الى المعاقل التي كان عملها لنفسه. وقيل إن علم الطوفان كان عندهم إلا أنه لم يأت وقته.لما أراد الله تعالى وكان قد جعل في تلك المعاقل طعاما، فاراد الصعود الى الجبال، فاذا الصخور تنحط على رؤوسهم من أعلى الجبل، وانفتحت أبواب السماء بما لا يعلم قدره إلا لله تعالى من الماء، فساروا لا يدرون أين يتوجهون ويقال انه كان الماء حارا منتنا.
    ويقال إن يام بن نوح ممن سار الى السفينة مع الدرمشيل، فناداه أبوه ( يابني اركب معنا، ولاتكن مع الكفرين، قال سآوي إلى جبل يعصمني من الماء ) " مع الملك وأصحابه " ( قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم ) وقد كان رأى التنور يفور.
    وقيل إن السفينة أقامت في الماء خمسين ومائة يوم، وقال قوم من أهل الاثر إنها أقامت أحد عشر شهرا، وقال آخرون كان الطوفان في رجب ووقفت على الجودي في المحرم.
    فأمر نوح أن تفتح أبواب السفينة، ثم أرسل الغراب لينظر له فمضى ولم يعد اليه، فدعا عليه أن يكون مباعدا، وأن يكون رزقه في الخوف. ثم ارسل الحمامة فرجعت وقد انصبغت رجلاها بالطين، فدعا لها أن تكون إلفا لبني آدم ومنقارها ورجلاها مصبوغة من يومئذ، ولم تكن كذلك قبل ثم أرسلها بعد أيام فرجعت وفي مناقرها ورقة خضراء من الزيتون، وقيل كانت من عشب الأرض.
    وفي التوراة أن الأرض جفت في سبعة وعشرين من الشهر الحادي عشر، ووقفت السفينة على الجودي وأوحى الله تعالى إلى نوح عليه السلام أن يخرج من السفينة هو ومن معه، فأخرج البهائم والهوام.
    ونزل نوح عليه السلام من السفينة وبنوه سام وحام ويافث ويحطون، وهو الذي ولد له في السفينة، ولما خرجوا ليستقروا على الأرض بنوا قرية سموها سوق ثمانين فسكنوها، فقال لهم الله اكثروا واملأوا الأرض واعمروها فقد باركت فيكم، ورفعت اللعنة عن الأرض، وآذنت بركاتها وأخرج ثمرها وكلوا مما رزقناكم حلالاً طيباً، واجتنبوا الأوثان والميتة والدم ولحم الخنزير وماذبح لغير الله، ولاتقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق.
    ووجه نوح التابوت الذي فيه جسد آدم عليهما السلام إلى غار الكنز بمكة فدفن فيه.
    ولما كثر ولد نوح عليه السلام قسم الأرض بينهم، فدب إبليس اليهم ليرمي بينهم العداوة والبغضاء فقال لبني حام ويافث إن اباكم أعطى ساما وولده خيرالأرض ومنعكم منها وأعلاهم عليكم، ولم يزل بذلك فيهم حتى قتل بعضهم بعضاً.
    فالآن نبدأ بذكر بني نوح عليه السلام وأنسابهم وتفرقهم في البلدان، وما ولد كل واحد منهم من الأمم، فنبدأ بذكرحام، وبعده بذكر يافث، وبعده بذكر يحطون، وبعده بذكر سام، متصلا بالعرب والأنبياء صلوات الله عليهم اجمعين.


    مُختصر كتاب أخبار الزمان
    تأليف : المسعودي
    منتدى نافذة ثقافية . البوابة



      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يناير 20, 2019 3:28 pm