بقية احداث سنة أحدى ومائتين وألف

    شاطر

    الإدارة
    Admin

    المساهمات : 820
    تاريخ التسجيل : 18/02/2015

    بقية احداث سنة أحدى ومائتين وألف

    مُساهمة من طرف الإدارة في السبت مارس 17, 2018 4:29 pm


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة التاريخ
    عجائب الآثار
    الجزء الأول

    { الفصل الثاني }
    في ذكر حوادث مصر وولاتها وتراجم اعيانها
    ووفياتهم ابتداء من ظهور امر الفقارية
    { تابع احداث سنة أحدى ومائتين وألف }

    شهر شعبان المكرم في اوائله جاء الخبر انهم وصلوا إلى دجرجا وان حسن بك والامراء وصدوا في التأخر إلى المنية وعملت جمعيات ودواوين بسبب ذلك وشرعوا في طلوع تجريدة ثم وقع الاختلاف بين الباشا والامراء واستقر الأمر بينهم في الرأي أن يراسلوهم في الصلح وانهم يقيمون في البلاد التي كانت بيد اسمعيل بك وحسن بك ويرسلوا أيوب بك الكبير والصغير وعثمان بك الاشقر وعثمان بك المرادي يكونوا بمصر رهائن وكتبوا بذلك مكاتبات وأرسلوها صحبة محمد افندي المكتوبجي وسليمان كاشف قنبور والشيخ سليمان الفيومي
    وفيه قررت المظالم على البلاد وهي المعروفة برفع المظالم وكان حسن باشا عندما قدم إلى مصر أبطلها وكتب برفعها فرمانات إلى البلاد فلما حضر اسمعيل بك حسن له اعادتها فأعيدت وسموها التحرير وكتب بها فرمانات وعينت بها المعينون وتفرقوا في الجهات والاقاليم بطلبها مع ما يتبعها من الكلف وحق الطرق وغيرها فدهى الفلاحون وأهل القرى بهذه الداهية ثانيا على ما هم فيه من موت البهائم وهياف الزرع وسلاطة الفيران الكثيرة على غيطان الغلة والمقاثي وغيرها وما هم فيه من تكلف المشاق الطارىء عليهم ايضا بسبب موت البهائم في الدراس وادارة السواقي بأيديهم وعوافيهم أو بالحمير أو الخيل أو الجمال لمن عنده مقدرة على شرائها وغلت أثمانها بسبب ذلك إلى الغاية فتغيرت قلوب الخلق جميعا على حسن باشا وخاب ظنهم فيه وتمنوا زواله وفشا شر جماعته وعساكره القليونجية في الناس وزاد فسقهم وشرهم وطمعهم وانتهكوا حرمةالمصر وأهله إلى الغاية
    وفي خامسه يوم الاربعاء توفي أحمد كتخدا المجنون وقلدوا مكانه في كتخدائية مستحفظان رضوان جاويش تابعه عوضا عنه
    وفيه قتل عثمان التوقتلي بالرميلة رفيق حمامجي اوغلي بعد ان عوقب بانواع العذاب مدة حبسه واستصفيت منه جميع الاموال التي كان يملكها واختلسها ودل على غيرها حمامجي اوغلي واستمر حمامجي اوغلي في الترسيم
    وفيه قبض على سراج متوجه إلى قبلي ومعه دراهم وامتعة وغير ذلك فأخذت منه ورمي عنقه ظلما بالرميلة
    واستهل شعر رمضان المعظم بيوم الاحد فيه اختصرت الامراء من وقدة القناديل في البيوت عن العادة وعبى اسمعيل بك هدية جليلة وأرسلها الى حسن باشا وهي سبع فروق وخمسون تفصيلة هندي عال مختلفة الاجناس وأربعة آلاف تصفية دنانير نقد مطروقة وجملة من بخور العود والعنبر وغير ذلك فأعطى للشيالين على سبيل الانعام أربعة عشر قرشا رومية عنها خمسمائة وستون نصفا فضة
    وفي يوم الثلاثاء عاشره حضر المحمل صحبة رجل من الاشراف وذلك انه لما وقع للحجاج من العربان ما وقع في العام الماضي ونهبوا الحجاج وأخذوا المحمل بقي عندهم إلى أن جيش عليهم الشريف سرور وحاربهم وقاتلهم قتالا شديدا وأفنى منهم خلائق لا تحصى واستخلص منهم المحمل وأرسله إلى مصر صحبة ذلك الشريف وقيل ان الشريف الذي حضر به هو الذي افتداه من العرب باربعمائة ريال فرانسة فلما حضر خرج إلى ملاقاته الاشاير والمحملدارية وارباب الوظائف ودخلوا به من باب النصر وامامه الاشاير والطبول والزمور وذلك الشريف راكب امامه ايضا
    وفي ذلك اليوم بعد اذان العصر بساعتين وقعت حادثة مهولة مزعجة يخط البندقانيين وذلك ان رجلا عطارا يسمى أحمد ميلاد وحانوته تجاه خان البهار اشترى جانب بارود انكليزي من الفرنج في برميلين وبطة ووضعها في داخل الحانوت فحضر إليه جماعة من اهل الينبع وساوموه على جانب بارود وطلبوا منه شيئا اليروه ويجربوه فأحضر البطة وصب منها شيئا في المنقد الذي يعد فيه الدراهم ووضعوه على قطعة كاغد واحضروا قطعة يدك وطيروا ذلك البارود عن الكاغد فأعجبهم ومن خصوصية البارود الانكليزي إذا وضع منه شيء على كاغد وطير فالنار لا تؤثر في الكاغد ثم رموا بالقطعة اليدك على مصطبة الحانوت وشرع يزن لهم وهم يضعونه في ظرفهم ويتساقط فيما بين ذلك من حباته وانتشر بعضها إلىناحية اليدك وهم لا يشعرون فاشتعلت تلك الحبات واتصلت بما في أيديهم وبالبطة ففرقعت مثل المدفع العظيم واتصلت النار بذينك البرميلين كذلك فارتفع عقد الحانوت وما جاوره بما على تلك العقود من الابنية والبيوت والربع والطباق في الهواء والتهبت بأجمعها نارا وسقطت بمن فيها من السكان على من كان اسفلها من الناس الواقفين والمارين وصارت كوما يظن من لم يكن رآه قبل ذلك انه له مائة عام وذلك كله في طرفة عين بحيث ان الواقف في ذلك السوق او المار لم يمكنه الفرار والبعيد أصيب في بعض أعضائه اما من النار او الردم وكان السوق في ذلك الوقت مزدحما بالناس خصوصا وعصرية رمضان وذلك السوق مشتمل على غالب حوائج الناس وبه حوانيت العطارين والزياتين والقبانية والصيارف وبياعي الكنافة والقطائف والبطيخ والعبدلاوي ودكاكين المزينين والقهاوي وغالب جيران تلك الجهة وسكان السبع قاعات وشمس الدولة يأتون في تلك الحصة ويجلسون على الحوانيت لاجل التسلي والحاصل ان كل من كان حاصلا بتلك البقعة في ذلك الوقت سواء كان عاليا او متسفلا او مارا او واقفا لحاجة او جالسا اصيب البتة وكان ذلك العطار يبيع غالب الاصناف من رصاص وقصدير ونحاس وكحل وكبريت وعنده موازين شبه الجلل فلما اشتعل ذلك البارود صارت تلك الجلل وقطع الرصاص والكحل والمغناطيس تتطاير مثل جلل المدافع حتى أحرقت واجهة الربع المقابل لها وكان خان البهار مقفولا متخربا وبابه كبير مسماري فصدمه بعض الجلل وكسر واشتعل بالنار واتصل بالطباق التي تعلو ذلك الخان ووقعت ضجة عظيمة وكل من كان قريبا وسلم أسرع يطلب الفرار والنجاة وما يدري أي شيء القضية فلما وقعت تلك الضجة وصرخت النساء من كل جهة وانزعجت الناس انزعاجا شديدا وارتجت الارض واتصلت الرجة إلى نواحي الأزهر والمشهد الحسيني ظنوها زلزلة وشرع تجار خان الحمزاوي في نقل بضائعهم من الحواصل فان النار تطايرت اليه من ظاهره وحضرالاغا والوالي فتسلم الاغا جهة الحمزاوي وتسلم الوالي جهة شمس الدولة وتتبعوا النار حتى أخمدوها وختموا على دكاكين الناس التي بذلك لخط وارسلوا ختموا بيت احمد ميلاد الذي خرجت النار من حانوته بعد ان أخرجوا منه النساء ثم أفرجوا عنهم بأمراسمعيل بك وأحضروا في صبحها نحو المائتين فاعل وشرعوا في نبش الأتربة وإخراج القتلى وأخذ ما يجدونه من الاسباب والامتعة وما في داخل الحوانيت من البضائع والنقود وما سقط من الدور من فرش وأوان ومصاغ النساء وغير ذلك شيئا كثيرا حتى الحوانيت التي لم يصبها الهدم فتحوها وأخذوا ما فيها وأصحابها ينظرون ومن طلب شيئا من متاعه يقال له هو عندنا حتى تثبته هذا إذا كان صاحبه ممن يخاطب ويصغى إليه وقيامه قائمة ومن يقرأ ومن يسمع ووقفت اتباعهم بالنبابيت من كل جهة يطرودن الناس ولا يمكنون احدا من أخذ شيء جملة كافية وأما القتلى فإن من كان في السوق او قريبا من تلك الحانوت والنار فإنه احترق ومن كان في العلو من الطباق انهرس ومنهم من احترق بعضه وانهرس باقيه وإذا ظهر وكان عليه شيء أو معه شيء أخذوه وان كانت امرأة جردوها وأخدوا حليها ومصاغها ثم لا يمكنون أقاربهم من أخذهم إلا بدراهم يأخذونها وكأنما فتح لهم باب الغنيمة ولما كشفوا عن أحمد ميلاد وحانوته وجدوه تمزق واحترق وصار قطعا مثل الفحم فجمعوا منه ست قطع وأخذوا شيئا كثيرا من حانوته ودراهم وودائع كانت أسفل الحانوت لم تصبها النار وكتم عليها الردم والتراب وكذلك حانوت رجل زيات انهدم على صاحبه فكشفوا عنه وأخرجوه ميتا وأخذوا من حانوته مبلغ دراهم وكذلك من بيت صباغ الحرير بجوار الحمزاوي انهدمت داره ايضا وأخذوا ما فيها ومن جملتها صندوق ضمنه دراهم لها صورة ونحو ذلك واستمر الحال على ذلك اربعة ايام في حفر ونبش واخراج قتلى وجنائز وبلغت القتلى التي أخرجت نيفا عن مائة نفس وذلك خلاف من بقي تحت الردم منهم امام الزاوية المجاورة لذلك فأنها انخسفت ايضا على الإمام وبقى تحت الردم ولم يجدوا بقية اعضاء احمد ميلاد وفقدوا دماغه فجمعوا اعضاءه ووضعوها في كيس قماش ودفنوه وسدوا على تلك الخطة من الجهتين وتركوها كما هي مدة ايام ونظفت وعمرت بعد ذلك فكانت هذه الحادثة من أعظم الحوادث المزعجة
    وفي يوم الخميس حضر الرسل من عند القبليين وحضر أيوب بك الكبير رهينة عن المماليك المحمدية وعثمان بك الطنبرجي عن مراد بك وعبد الرحمن بك عن إبراهيم بك فذهبوا إلى حسن باشا وقابلوه وكذلك قابلوا عابدي باشا ثم اجتمع الأمراء عند حسن باشا وتكلموا في شأن هؤلاء الجماعة وقالوا هؤلاء ليسوا المطلوبين ولم يأت الا أيوب بك الكبير من المطلوبين و 4 لم يأت عثمان بك الأشقر وأيوب بك الصغير فاتفق الرأي على أعادة الجواب فكتبوا جوابات اخرى وأرسلوها صحبة سلحدار حسن باشا
    وفي هذا الشهر اخذت القرصان ثلاثة غلايين وفيها اناس من اتباع الدولة وأعيانها ووصل الخبر بوقوع حريق عظيم ببندر جدة وتوفي احمد باشا واليها وعبى علي بك الدفتردار كساوى للأمراء فأرسل إلى اسمعيل بك وحسن بك الجداوي ورضوان بك وباقي الصنادق والامراء حتى لحريمهم وأتباعهم وارسل ايضا لطائفة الفقهاء وفتح السفر لجهة الموسقو وتقليد باكير قبطان باشا قائمقام عن حسن باشا
    وفي منتصفه وقعت حادثة بثغر بولاق بين طائفة الفليونجية والفلاحين باعة البطيخ وذلك ان شخصا قليونجيا ساوم على بطيخة وأعطاه دون ثمنها فامتنع وتشاجر معه فوكزه العسكري بسكين فزعق الفلاح على شيعته وزعق الاخر على رفقائه فاجتمع الفريقان ووقع بينهم مقتله كبيرة قتل فيها من الفلاحين نحو ثلاثين انسانا ومن القليونجية نحو أربعة
    وفي يوم الأحد ثاني عشرينه قررت تفريدة على بلاد الارياف أعلى وأوسط وادنى الاعلى خمسة وعشرون الف نصف فضة والأوسط سبعة عشر ألف والادنى تسعة آلاف وذلك خلاف ما يتبعها من الكلف وحق الطرق
    وفيه رفعوا خفارة البحرين عن بن حبيب وكذلك الموارد والتزم بها رضوان بك على خمسين كيسا يقوم بها في كل سنة لطرف الميري وسبب ذلك منافسة وقعت بينه وبين بن حبيب فأنه لما تولى المنوفية ومر على دجوة أرسل له بن حبيب تقدمة فاستقلها ثم أرسل إليه بعد ارتحاله من الناحية يطلب منه جمالا وأشياء فامتنع بن حبيب فأرسل يطلبه ليقابله فلم يذهب إليه واعتذر ولما رجع نزل اليه ابنه علي بالضيافة فعاتبه علىامتناع أبيه من مقابلته وأضمر له في نفسه وتكلم معه حسن باشا في رفع ذلك عنهم والتزم بالقدر المذكور وطريقة العثمانية الميل إلى الدنيا بأي وجه كان فأخرج فرمانا بذلك
    وفي ثاني شوال برزت الامراء المعينون لجمع الفردة وهم سليم بك الاسماعيلي للغربية وشاهين بك الحسيني لأقليم المنصورة علي بك الحسيني لاقليم المنوفية ومحمد بك كشكش للشرقية وعثمان بك الحسيني للجيزة وعثمان كاشف الإسماعيلي للفيوم ويوسف كاشف الاسماعيلي للبهنسا وأحمد كاشف للجيزة
    وفي ثامنة حضر سلحدار الباشا وسليمان كاشف قنبور المسافران بالجوابات إلى الأمراء القبليين وذلك انهم أرسلوا بطلب بلاد أخرى زيادة على ما عينوا لهم وقالوا ان هذه البلاد لا تكفينا فأمر لهم حسن باشا بخمسة بلاد اخرى فقال اسمعيل بك اطلبوا منهم حلوانها فقال اسمعيل كاشف قنبور اجعلوا ما أخذ من بيوتهم في نظير الحلوان فقال كذلك
    وفي عاشره حضر قاصد من الحجاز بمراسلة من الشريف سرور يخبر فيها بعصيان عرب جرب وغيرهم وقعودهم على الطريق ومنعهم السبيل
    ويحتاج أن أمير الحاج يكون في قوة واستعداد وان الحرب قائمة بينهم وبين الشريف وخرج إليهم في نحو خمسة عشر الفا وفي منتصفه كمل عمارة التكية المجاورة لقصر العيني المعروفة بتكية البكتاشية وخبرها ان هذه التكية موقوفة على طائفة من الاعجام المعروفين بالبكتاشية وكانت قد تلاشى أمرها وآلت إلى الخراب وصارت في غاية من القذارة ومات شيخها وتنازع مشيختها رجل أصله من سراجين مراد بك وغلام يدعي أنه من ذرية مشايخها المقبورين فغلب على الغلام ذلك الرجل لانتسابه إلى الامراء وسافر إلى اسكندرية فصادف مجيء حسن باشا واجتمع به وهو بهيئة الدراويش وهم يميلون لذلك النوع وصار من اخصائه لكونه من أهل عقيدته وحضر صحبته إلى مصر وصار له ذكر وشهرة ويقال له الدرويش صالح فشرع في تعمير التكية المذكورة من رشوات مناصب المكوس التي توسط لاربابها مع حسن باشا فعمرها وبنى اسوارها وأسوار الغيطان الموقوفة عليها المحيطة بها وأنشأ بها صهريجا في فسحة القبة ورتب لها تراتيب ومطبخا وأنشأ خارجها مصلى باسم حسن باشا فلما تم ذلك عمل وليمة ودعا جميع الأمراء فحصل عندهم وسوسة واعتدوا وركبوا بعد العصر بجميع مماليكهم واتباعهم وهم بالاسلحة متحذرين فمد لهم سماطا وجلسوا عليه واوهموا الأكل لظنهم الطعام مسموما وقاموا وتفرقوا في خارج القصر والمراكب وعمل شنك وحرافة نفوط وبارود ظنوا غرابته ثم ركبوا في حصة من الليل وذهبوا إلى بيوتهم
    وفي يوم الخميس رابع عشرينه خرج المحمل وأمير الحجاج غيطاس بك في موكب محتقر بدون الينكجرية والعزب مثل العام الماضي فخرجوا إلى الحصوة وأقاموا هناك ولم يذهبوا إلى البركة
    وفي يوم الثلاثاء غايته ارتحل الحجاج من الحصوة إلى البركة بعد العصر وارتحلوا في ضحوة يوم الأربعاء غرة شهر القعدة
    شهر القعدة الحرام في ثالثه يوم الجمعة الموافق لثالث عشر مسرى القبطي أو في النيل المبارك أذرعه ونودى بذلك وعمل الشنك وركب حسن باشا في صبحها وكسروا السد بحضرته وجرى الماء في الخليج ولم يحضر عابدي باشا لمرضه
    وفي سادسه نودى على المماليك ان لا يركبوا من بيوت أسيادهم منفردين ابدا فترك ذلك في جملة المتروكات وتزوج المماليك وصار لهم بيوت وخدم ويركبون ويغدون ويروحون ويشربون الدخان وهم راكبون في الشارع الأعظم وفي أيديهم شبكات الدخان من غير انكار وهم في الرق ولا يخطر ببالهم خروجهم عن الادب لعدم انكار أسيادهم وترخيصهم لهم في الامور فإذا مات بعض الأعيان بادر أحد المماليك إلى سيده الأمير صاحب الشوكة وقبل يده وطلب منه ان ينعم عليه بزوجة الميت فيجيبه إلى ذلك ثم تراه ركب في الوقت والساعة ذهب إلى بيت المتوفي ولو قبل خروج جنازته ونزل في البيت وجلس فيه وتصرف في تعلقاته وحازه وملكه بما فيه وأقام بمجلس الرجال ينتظر انقضاء العدة ويأمر وينهي ويطلب الغداء والعشاء والفطور والقهوة والشربات من الحريم ويتصرف تصرف الملاك وربما وافق ذلك غرض المرأة فإذا رأته شابا مليحا قويا وكان زوجهاالمقبور بخلاف ذلك أظهرت له المخبآت والمدخرات فيصبح اميرا من غير تأمر وتتعدد عنده الخيول والخدام والفراشون والاصحاب ويركب ويذهب ويجيء إلى بيت سيده وفي حاجاته وغير ذلك فجرى يوما بمجلس حسن باشا ذكر ركوب المماليك على انفرادهم في الاسواق بحضرة بعض الاختيارية فقالوا انه قلة ادب وخلاف العادة القديمة التي رأيناها وتربينا عليها فقال الباشا اكتبوا فرمانا بمنع ذلك ففعلوا ذلك ونادوا به من قبيل الشغل الفارغ
    وفي سابعه ثقل عابدي باشا في المرض وأشيع موته
    وفي حادي عشره حضر حسين بك المعروف بشفت من قبلي في جملة الرهائن وقابل الباشا وأقام بمصر
    وفي منتصفه عوفي عابدي باشا من مرضه وشرعوا في طلب المال الشتوي فضج الملتزمون وتكلم الوجاقلية في الديوان وقالوا من أين لنا ما ندفعه وما صدقنا بخلاص المظالم والصيفي والفردة ولم يبق عندنا ولا عند الفلاحين شيء أعطونا الجامكية ثم ندفعها لكم في المال الشتوي فانحط الرأي على كتابة رجع الجامكية وفرح الناس بذلك ثم تبين له لا احد يأخذ رجعة إلا بقدر ما عليه من الميري وان زاد له شيء يبقى له وديعة بالدفتر وان لم يكن له جامكية يدفع ما عليه نقدا فصار بعض الملتزمين يأتي بأسماء برانية وينسبها لنفسه لاجل غلاق المطلوب منه فاتضحت تلك النسبة له بمراجعة الدفتر ثم منعوا كتابة الرجع وصار الافندية يكشفون على الدفاتر ويملون ويسددون بأنفسهم فمن زاد له شيء تبقى بالدفتر ومن زاد عليه شيء طلب منه
    وفي عشرينه ذهب الأمراء إلى حسن باشا وهم اسمعيل بك وحسن بك وعلي وباقي الأمراء فتكلم معهم بسبب الأموال التي جعلها عليهم والميري المطلوب منهم ومن اتباعهم وقال لهم انا مسافر بعد الاضحى ولا بد من تشهيل المطلوب فاعتذروا وطلبوا المهلة فشنع عليهم ووبخهم بالكلام التركي ومن جملة ما قال لهم أنتم وجوهكم مثل الحيط وأمثال ذلك فخرجوا من عنده وهم في غاية من القهر وكان ذلك باغراء اسمعيل بك ولما ذهب اسمعيل بك إلى بيته طلب أمراءه وشنع عليهم كما شنع عليه الباشا وحلف ان كل من تبقى عليه شيء ولو ألف درهم سلمه للباشا يقطع رأسه
    وفي يوم الخميس غايته طلعوا عند عابدي باشا فطالبهم بالميري ايضا وشنع عليهم وخصوصا قاسم بك أباسيف وحلف انه يحبسهم حتى يدفعوا ما عليهم
    واستهل شهر ذي الحجة الحرام بيوم الجمعة وفيه حضر الاغا وعلى يده مقرر لعابدي باشا على السنة الجديدة
    وفيه ايضا قوى عزم حسن باشا على السفر إلى بلاد الروم وأعطى لاسمعيل بك جملة مدافع وقنابر وآلات حرب وصنع له قليونا صغيرا وقرر ألفا وخمسمائة عسكري يقيمون بمصر
    وفي يوم الخميس رابع عشرة عمل حسن باشا ديوانا بالقصر وحضر عنده عابدي باشا والمشايخ وسائر الامراء بسبب قراءة مراسيم حضرت من الدولة فقرأوا منها ثلاثة وفيها طلب حسن باشا إلى الديار الرومية بسبب حركة السفر إلى الجهاد وان الموسقو زحفوا على البلاد واستولوا على ما بقي من بلاد القرم وغيرهم والثاني فيه ذكر العفو عن إبراهيم بك ومراد بك من القتل وأن يقيم ابراهيم بك بقنا ومراد بك باسنا ولا أذن لهم في دخول مصر جملة كافية
    وفيه نودي على صرف الريال الفرانسة بمائة نصف فضة وكان وصل إلى مائة وعشرة فتضرر الناس من ذلك
    وفي يوم الجمعة ثاني عشرينه ركب الآمراء باسرهم لوداع حسن باشا وكان في عزمه النزول في المراكب بعد صلاة الجمعة فلما تكاملوا عنده قبض على الرهائن وهم عثمان بك المرادي المعروف بالطنبرجي وحسين بك شفت وعبد الرحمن بك الابراهيمي ثم أمر بالقبض على حسن كتخدا الجربان وسليمان كاشف قنبور فهرب حسن كتخدا وساق جواده فتبعه جماعة من العسكر فلم يزل رامحا وهم خلفه حتى دخل بيت حسن بك الجداوي ودخل إلى باب الحريم وكان حسن بك بالقصر فرجع العسكر واخبروا الباشا بحضرة اسمعيل بك فطلب حسن بك وسأله اسمعيل بك فقال ان كان في بيتي خذوه فأرسلوا واحضروه ووضعوه صحبة المقيدين
    وفي يوم السبت ثالث عشرينه سافر حسن باشا من مصر وأخذ معه الرهائن وسافر صحبته ابراهيم بك قشطة ليشيعه إلى رشيد وزار في طريقه سيدي احمد البدوي بطندتا ولم يحصل من مجيئه إلى مصر وذهابه منها إلا الضرر ولم يبطل بدعة ولم يرفع مظلمة بل تقررت به المظالم والحوادث فانهم كانوا يفعلونها قبل ذلك مثل السرقة ويخافون من إشاعتها وبلوغ خبرها إلى الدولة فينكرون عليهم ذلك وخابت فيه الامال والظنون وهلك بقدومه إليها ثم التي عليها مدار نظام العالم وزاد في المظالم التحرير لانه كان عندما قدم أبطل رفع المظالم ثم أعاده بإشارة إسمعيل بك وسماه التحرير فجعله مظلمة زائدة وبقى يقال رفع المظالم والتحرير فصار يقبض من البلاد خلاف أموال الخراج عدة أقلام منها المضاف والبراني وعوائد الكشوفية والفرد المتعددة ورفع المظالم والتحرير ومال الجهاد وغير ذلك ولو مات حسن باشا بالاسكندرية او رشيد لهلك عليه أهل الاقليم اسفا وبنوا على قبره مزارا وقبة وضريحا يقصده للزيارة

    من مات في هذه السنة من الاعيان

    توفي الامام العالم العلامة أوحد وقته في الفنون العقلية والنقلية شيخ أهل الإسلام وبركة الانام الشيخ أحمد بن محمد بن احمد بن أبي حامد العدوي المالكي الأزهري الخلوتي الشهير بالدردير ولد ببني عدي كما اخبر عن نفسه سنة 1127 وحفظ القرآن وجوده وحبب اليه طلب العلم فورد الجامع الازهر وحضر دروس العلماء وسمع الاولي عن الشيخ محمد الدقري بشرطه والحديث على كل من الشيخ احمد الصباغ وشمس الدين الحفني وبه تخرج في طريق القوم وتفقه على الشيخ علي الصعيدي ولازمه في جل درسه حتى انجب وتلقن الذكر وطريق الخلوتيه من الشيخ الحفني وصار من اكبر خلفائه كما تقدم وأفتى في حياة شيوخه مع كمال الصيانة والزهد والعفة والديانة وحضر بعض دروس الشيخين الملوي والجوهري وغيرهما ولكن جل اعتماده وانتسابه على الشيخين الحفني والصعيدي وكان سليم الباطن مهذب النفس كريم الاخلاق وذكر لنا عن لقبه ان قبيلة من العرب نزلت ببلده كبيرهم يدعى بهذا اللقب فولد جده عند ذلك فلقب بلقبه تفاؤلا لشهرته وله مؤلفات منها شرح مختصر خليل أورد فيه خلاصة ما ذكره الاجهوري والزرقاني واقتصر فيه على الراجح من الاقوال ومتن في فقه المذهب سماه أقرب المسالك لمذهب مالك ورسالة في متشابهات القرآن ونظم الخريدة السنية في التوحيد وشرحها وتحفة الاخوان في آداب أهل العرفان في التصوف وله شرح على ورد الشيخ كريم الدين الخلوتي وشرح مقدمة نظم التوحيد للسيد محمد كمال الدين البكري ورسالة في المعاني والبيان ورسالة أفرد فيها طريقة حفص ورسالة في المولد الشريف ورسالة في شرح قول الوفائية يا مولاي يا واحد يا مولاي يا دائم يا علي يا حكيم وشرح على مسائل كل صلاة بطلت على الامام والاصل للشيخ البيلي وشرح على رسالة في التوحيد من كلام دمرداش ورسالة في الاستعارات الثلاث وشرح على آداب البحث ورسالة في شرح صلاة السيد احمد البدوي وشرح على الشمائل لم يكمل ورسالة في صلوات شريف اسمها المورد البارق في الصلاة على أفضل الخلائق والتوجه الاسني بنظم الاسماء الحسنى ومجموع ذكر فيه أسانيد الشيوخ ورسالة جعلها شرحا على رسالة قاضي مصر عبد الله افندي المعروف بططر زاده في قوله تعالى يوم يأتي بعض آيات ربك الآية وله غير ذلك ولما توفي الشيخ علي الصعيدي تعين المترجم شيخا على المالكية ومفتيا وناظرا على وقف الصعايدة وشيخا على طائفة الرواق بل شيخا على اهل مصر بأسرها في وقته حسا ومعنى فأنه كان رحمه الله يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ويصدع بالحق ولا يأخذه في الله لومة لائم وله في السعي على الخير يد بضياء تعلل أياما ولزم الفراش مدة حتى توفي في سادس شهر ربيع الاول من هذه السنة وصلى عليه بالازهر بمشهد عظيم حافل ودفن بزاويته التي أنشأها بخط الكعكبيين بجوار ضريح سيدي يحيى بن عقب وعندما أسسها ارسل إلي وطلب مني أن احرر له حائط المحراب على القبلة فكان كذلك وسبب انشائه للزاوية ان مولاي محمد سلطان المغرب كان له صلات يرسلها لعلماء الأزهر وخدمة الآضرحة وأهل الحرمين في بعض السنين وتكرر منه ذلك فأرسل على عادته في سنة ثمان وتسعين مبلغا وللشيخ المترجم قدرا معينا له صورة وكان لمولاي محمد ولد تخلف بعد الحج وأقام بمصر مدة حتى نفذ ما عنده من النفقة فلما وصلت تلك الصلة أراد أخذها ممن هي في يده فامتنع عليه وشاع خبر ذلك في الناس وأرباب الصلات وذهبوا إلى الشيخ بحصته فسأل عن قضية بن السلطان فأخبروه عنها وعن قصده وانه لم يتمكن من ذلك فقال والله هذا لا يجوز وكيف اننا نتفكه في مال الرجل ونحن أجانب وولده يتلظى من العدم هو أولى مني وأحق أعطوه قسمي فأعطاه ذلك ولما رجع رسول ابيه اخبر السلطان والده بما فعل الشيخ الدردير فشكره على فعله وأثنى عليه واعتقد صلاحه وأرسل له في ثاني عام عشرة امثال الصلة المتقدمة مجازاة للحسنة فقبلها الاستاذ وحج منها ولما رجع من الحج بنى هذه الزاوية مما بقى ودفن بها رحمه الله ولم يخلف بعده مثله
    ومات الشيخ الامام العلامة المتفنن المتقن المعمر الضرير الشيخ محمد المصيلحي الشافعي أحد العلماء أدرك الطبقة الاولى وأخذ عن شيوخ الوقت وأدرك الشيخ محمد شنن المالكي وأخذ عنه وأجازه الشيخ مصطفى العزيزي والشيخ عبد ربه الديوي والشيخ احمد الملوي والحفني والدفري والشيخ علي قايتباي والشيخ حسن المدابغي وناضل ودرس وأفاد وأقر وانتفع عليه الطلبة ولما مات الشيخ احمد الدمنهوري وانقرض أشياخ الطبقة الأولى نوه بذكره واشتهر صيته وحف به تلامذته وغيرهم ونصبوه شبكة لصيدهم وآلة لاقتناصهم وأخذوه إلى بيوت الامراء في حاجاتهم وعرضوا به المتصدرين من الاشياخ في الرياسة ويرى أحقيته لها لسنة وأقدميته ولما مات الشيخ احمد الدمنهوري وتقدم الشيخ احمد العروسي في مشيخة الأزهر كان المترجم غائبا في الحج فلما رجع وكان الأمر قد تم للعروسي أخذه حمية المعاصرة وأكثرها من اغراء من حوله فيحركونه للمناقضة والمناكدة حتى انه تعدى على تدريس الصلاحية بجوار مقام الامام الشافعي المشروطة لشيخ الأزهر بعد صلاة الجمعة فلم ينازعه الشيخ احمد العروسي وتركها له حسما للشر وخوفا من ثوران الفتن والتزم له الاغضاء والمسامحة في غالب الأطوار ولم يظهر الالتفات لما يعانوه أصلا حتى غلب عليهم بحلمه وحسن مسايرته حتى انه لما توفي المترجم ورجع إليه تدريس الصلاحية لم يباشر التصدر في الوظيفة بلى قرر فيها تلميده العلامة الشيخ مصطفى الصاوي وأجلسه وحضر افتتاحه فيها وذلك من حسن الرأي وجودة السياسة توفي المترجم ثاني عشر شوال من هذه السنة وصلى عليه بالأزهر في مشهد حافل ودفن بالمجاورين ومات الإمام العلامة واللوذعي الفهامة لسان المتكلمين واستاذ المحققين الفقيه النبيه المستحضر الأصولي المنطقي الفرضي الحيسوب الشيخ عبد الباسط السنديوني الشافعي تفقه على أشياخ العصر المتقدمين وأجازه أكابر المحدثين ولازم الشيخ محمد الدفري وبه تخرج في الفقه وغيره وأنجب ودرس وأفاد وأفنى في حياة شيوخه وكان حسن الالقاء جيد الحافظة يملي دروسه عن ظهر قلبه وحافظته عجيب الاستحضار للفروع الفقهية والعقلية والنقلية ومما شاهدته من استحضاره انه وردت فتوى في مسالة مشكلة في المناسخة فتصدى لتحريرها وقسمتها جماعة من الأفاضل ومنهم الشيخ محمد الشافعي الجناجي وناهيك به في هذا الفن وتعبوا فيها يوما وليلة حتى حرروها على الوجه المرضي ثم قالوا دعنا نكتبها في سؤال على بياض ونرسلها للمتصدرين للأفتاء وننظر ماذا يقولون في الجواب ولو بالمهلة ففعلوا ذلك وأرسلوها للشيخ المترجم مع بعض الناس وهو لا يعلم بشيء مما عانوه فغاب الرسول مدة لطيفة وحضر بالجواب على الوجه الذي تعب فيه الجماعة يوما وليلة فقضعوا عجبا من جودة استحضاره وحدة ذهنه وقوة فهمه الا انه كان قليل الورع عن بعض سفاسف الامور اتفق انه تنازع مع عجوز في فدان ونصف طين مدة سنين وأهين بسببها مرارا في ايام مشيخة الشيخ عبد الله الشبراوي والشيخ الحفني ورأيته مرة يتداعى معها عند شيخنا الشيخ احمد العروسي فنهاه الشيخ العروسي عنها ولامه فلم ينته ولم يزل ينازعها وتنازعه إلى ان مات وغير ذلك أمور يستحي من ذكرها في حق مثله وبذلك قلت وجاهته بين نظرائه توفي في أول جمادى الآخرة من السنة وصلي عليه بالأزهر ودفن بتربة المجاورين رحمه الله وغفر لنا وله
    ومات الشيخ الفاضل الصالح المجذوب صاحب الاحوال محمد ابن أبي بكر بن محمد المغربي الطرابلسي الشهير بالاثرم ولد بقربه انكوان من اعمال طرابلس في حدود سنة خمس وأربعين وبها نشأ وتنتسب جدوده إلى خدمة الولي الصالح الشهير سيدي احمد زروق قدس سره وغلب عليه الجذب في مبادىء امره وحفظ جملة من كلام الشيخ المشار إليه ومن كلام غيره وكان مبدأ أمره فيما اخبرنا انه توجه إلى تونس برسم التجارة فاجتمع على رجل من الصالحين هناك ولازمه فلما قربت وفاته اوصى اليه بملبوس بدنه فلما توفي جمع الحاضرين واراد بيعه فأشار إليه بعض أهل الشأن أن يضن به ولا يبيعه فتنافس فيه الشارون وتزايدوا فدفع الدراهم من عنده في ثمنه وابقاه وكان المتوفي فيما قيل قطب وقته فلبسه الوجد في الحال وظهرت له امور هناك واشتهر امره واتى إلى الاسكندرية فسكنها مدة ثم ورد مصر في اثناء سنة 1185 وحصلت له شهرة تامة ثم عاد إلى الاسكندرية فقطنها مدة ثم عاد إلى مصر وهو مع ذلك ينجر في الغنم واثرى بسبب ذلك وتمول وكانت الاغنام تجلب من وادي برقة فيشارك عليها مشايخ عرب اولاد علي وغيرهم وربما ذبح بنفسه بالثغر فيفرق اللحم على الناس ويأخذ منهم ثمن ذلك وكان مشهورا بأطعام الطعام والتوسع فيه في كل وقت وربما وردت عليه جماعة مستكثرة فيقريهم في الحال وتنقل له في ذلك أمور
    ولما ورد مصر كان على هذا الشأن لا بد للداخل عليه من تقديم مأكول بين يديه وهادته اكابر الامراء والتجار بهدايا فاخرة سنية وكان يلبس احسن الملابس وربما لبس الحرير المقصب يقطع منها ثيابا واسعة الاكمام فيلبسها ويظهر في كل طور في ملبس آخر غير الذي لبسه اولا وربما احضر بين يديه آلات الشرب وانكبت عليه نساء البلد فتوجه اليه بمجموع ذلك نوع ملام الا ان اهل الفضل كانوا يحترمونه ويقرون بفضله وينقلون عنه اخبارا حسنة وكان فيه فصاحة زايدة وحفظ لكلام القوم وذوق للفهم ومناسبات للمجلس وله اشراف على الخواطر فيتكلم عليها فيصادف الواقع ثم عاد إلى الاسكندرية ومكث هناك الى ان ورد حسن باشا فقدم معه وصحبته طائفة من عسكر المغاربة ولما دخل مصر أقبلت عليه الاعيان وعلت كلمته وزادت وجاهته واتته الهدايا وكانت شفاعته لا ترد عند الوزراء ولما كان آخر جمادى الأولى من هذه السنة توجه إلى كرداسة لايقاع صلح بين العرب وبين جماعة من القافلة المتوجهة إلى طرابلس فمكث عندهم في العزائم والاكرامات مدة من الايام ثم رجع وكان وقتا شديد الحر فخلع ثيابه فأخذه البرد والرعدة في الحال ومرض نحو ثمانية ايام حتى توفي نهار الثلاثاء ثالث جمادى الثانية وجهز وكفن وصلي عليه بمشهد حافل بالأزهر ودفن تحت جدار قبة الإمام الشافعي في مدافن الرزازين وحزنت عليه الناس كثيرا وقد رآه اصحابه بعد موته في منامات عدة تدل على حسن حاله في البرزخ رحمه الله
    ومات الإمام العلامة والفاضل الفهامة صفوة النبلاء ونتيجة الفضلاء الشيخ احمد بن احمد بن محمد السحيمي الحنفي القلعاوي تفقه على والده وعلى الشيخ احمد الحماقي وحضر معنا على شيخنا الشيخ مصطفى الطائي الهداية وانجب ودرس في فقه المذهب والمعقول مع الحشمة والديانة ومكارم الأخلاق والصيانة توفي سادس عشر شوال ودفن عند والده بباب الوزير
    ومات الأجل العمدة الشريف الصالح السيد عبد الخالق بن احمد ابن عبد اللطيف بن محمد تاج العارفين المنتهي نسبه إلى سيدي عبد القادر الحسني الجيلي المصري ويعرف بابن بنت الجيزي وهو اخو السيد محمد الجيزي المتوفي قبل ذلك من بيت الثروة والعز والسيادة تولى بعد اخيه الكتابة ببيت النقابة ومشيخة القادرية واحسن السير والسلوك مع الوقار والحشمة وكان انسانا حسنا كثير الحياء متجمعا عن الناس مقبلا عن شأنه وفيه رقة طبع مع الاخلاق المهذبة والتواضع للناس والانكسار رحمه الله
    ومات الأمير الصالح المبجل احمد جاويش أرنؤد باش اختيار وجاق التفكجية وكان من أهل الخير والدين والصلاح عظيم اللحية منور الشيبة مبجلا عند أعاظم الدولة يندفع في نصرة الحق والامر بالمعروف والنهي عن المنكر ويسمعون لقوله وينصتون لكلامه ويتقونه ويحترمونه لجلالته ونزهته عن الآغراض وكان يحب أهل الفضائل ويحضر دروس العلماء ويزورهم ويقتبس من أنوار علومهم ويذهب كثيرا إلى سوق لكتبيين ويشتري الكتب ويوقفها على طلبة العلم واقتنى كتبا نفيسة ووقفها جميعها في حال حياته ووضعها بخزانة الكتب بجامع شيخون العمري بالصليبة تحت يد الشيخ موسى الشيخوني الحنفي وسمع على شيخنا السيد مرتضى صحيح البخاري ومسلم وأشياء كثيرة والشمائل والثلاثيات وغير ذلك وبالجملة فكان من خيار من أدركنا من جنسه ولم يخلف بعده مثله توفي في ثامن شوال من السنة وقد ناهز التسعين
    ومات الامير المبجل احمد كتخدا المعروف بالمجنون احد الأمراء المعروفين والقراصنة المشهورين وهو من مماليك سليمان جاويش القازدغلي ثم انضوى إلى عبد الرحمن كتخدا وانتسب إليه وعرف به وأدرك الحوادث والفتن التليدة والطارفة ونفى من نفى في أمارة علي بك الغزاوي في سنة ثلاث وسبعين إلى بحري ثم إلى الحجاز وأقام بالمدينة المنورة نحو اثنتي عشرة سنة وقادا بالحرم المدني ثم رجع إلى الشام وأحضره محمد بك ابو الذهب إلى مصر واكرمه ورد اليه بلاده وأحبه واختص به وكان يسامره ويأنس بحديثه ونكاته فانه كان يخلط الهزل بالجد ويأتي بالمضحكات في خلال المقبضات فلذلك سمي بالمجنون وكان بلد ترسا بالجيزة جارية في التزامه وعمر بها قصرا وانشأ بجانبه بستانا عظيما زرع فيه أصناف الأشجار والنخيل والرياحين ويجلب من ثماره إلى مصر للبيع والهدايا ويرغب فيها الناس لجودتها وحسنها عن غيرها وكذلك أنشأ بستانا بجزيرة المقياس في غاية الحسن وبنى بجانبه قصرا يذهب إليه في بعض الاحيان ولما حضر حسن باشا إلى مصر ورأى هذا البستان اعجبه فاخذه لنفسه واضافه إلى أوقافه وبنى المترجم ايضا داره التي بالقرب من الموسكي داخل درب سعادة ودارا على الخليج المرخم اسكن فيه بعض سراريه وكان له عزوة ومماليك ومقدمون واتباع وإبراهيم بك اوده باشه من مماليكه ورضوان كتخدا الذي تولى بعده كتخدا الباب وكان مقدمة في المدد السابقة يقال له المقدم فوده له شأن وصوله بمصر وشهرة في القضايا والدعاوى ولم يزل طول المدد السابقة جاويشا فلما كان آخر مدة حسن باشا قلدوه كتخدا مستحفظان ولم يزل معروفا مشهورا في أعيان مصر إلى ان توفي في خامس شعبان من السنة
    ومات الأمير الجليل محمد بك الماوردي وهو مملوك سليمان اغا كتخدا الجاويشية زوج ام عبد الرحمن كتخدا وخشداشينه حسن بك الأزبكاوي الذي قتل بالمساطب كما تقدم وحسن بك المعروف بأبي كرش فكان الثلاثة امراء يجلسون بديوان الباشا وسيدهم كتخدا الجاويشية واقف في خدمته على أقدامه ومرت له محن في تنقلاته ورحلاته إلى البلاد عندماتملك علي بك وخرج المترجم منفيا وهاربا من مصر مع من خرج وباشر الحروب باسيوط وذهب الى الشام وغيرها لكن لم اتحقق وقائعه ولم يزل حتى حضر الى مصر في أيام ابي الذهب وقد صار ذا شيبة وتزوج ببنت الشيخ العناني وأقام ببيتهم بسوق الخشب خاملا حتى مات في هذه السنة وكان لا بأس به وتقلد في المدد السابقة اغاوية مستحفظان ثم الصنجقية ونظارة الجامع الأزهر


    عجائب الآثار في التراجم والأخبار
    المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
    مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الإثنين أبريل 23, 2018 10:59 pm