من دخول بيبرس مصر الى توقف مراكب الهند

    شاطر

    همسات
    Admin

    المساهمات : 944
    تاريخ التسجيل : 18/02/2015

    من دخول بيبرس مصر الى توقف مراكب الهند

    مُساهمة من طرف همسات في الخميس فبراير 08, 2018 10:14 am


    بّسم الله الرّحمن الرّحيم
    مكتبة التاريخ
    عجائب الآثار
    الجزء الأول

    { من دخول بيبرس مصر الى توقف مراكب الهند }

    ودخل بيبرس مصر سلطانا وتلقب بالملك الظاهر وذلك سنة ثمان وخمسين وستمائة هجرية وهو السلطان ركن الدين أبو الفتح بيبرس البندقداري الصالحي النجمي أحد المماليك البحرية وعندما استقر بالقلعة أبطل المظالم والمكوس وجميع المنكرات وجهز الحج بعد انقطاعه اثنتي عشرة سنة بسبب فتنة التتار وقتل الخليفة ومنافقة أمير مكة مع التتار
    فلما وصلوا الى مكة منعوهم من دخول المحمل ومن كسوة الكعبة فقال أمير المحمل لامير مكة أما تخاف من الملك الظاهر بيبرس فقال دعه يأتيني على الخيل البلق
    فلما رجع امير المحمل وأخبر السلطان بما قاله أمير مكة جمع له في السنة الثانية أربعة عشر ألف فرس أبلق وجهزهم صحبة امير الحاج وخرج بعدهم على ثلاث نوق عشاريات فوافاهم عند دخولهم مكة وقد منعهم التتار وأمير مكة فحاربوهم فنصرهم الله عليهم وقتل ملك التتار وأمير مكة طعنه السلطان بالرمح وقال له أنا الملك الظاهر جئتك على الخيل البلق
    فوقع الى الارض وركب السلطان فرسه ودخل الى مكة وكسا البيت وعاد الى مصر واستقر ملكه حتى مات بدمشق سابع عشري المحرم سنة ست وسبعين وستمائة ومدته سبع عشرة سنة وشهران واثنا عشر يوما وحج سنة سبع وستين وستمائة
    ولذلك خبر طويل ذكره العلامة القريزي في ترجمته في تواريخه وفي الذهب المسبوك فيمن حج من الخلفاء والملوك وكان من أعظم الملوك شهامة وصرامة وانقيادا للشرع وله فتوحات وعمارات مشهورة ومآثر حميدة ومنها رد الخلافة لبني العباس وذلك انه لما جرى ما جرى على بغداد وقتل الخليفة وبقيت ممالك الاسلام بلا خلافة ثلاث سنوات حضر شخص من أولاد الخلفاء الفارين في الواقعة الى عرب العراق ومعه عشرة من بني مهارش فركب الظاهر للقائه ومعه القضاة واهل الدولة فأثبت نسبه على يد قاضي القضاة تاج الدين بن بنت الاعز ثم بويع بالخلافة فبايعه السلطان وقاضي القضاة والشيخ عز الدين بن عبد السلام ثم الكبار على مراتبهم ولقب بالمستنصر وركب يوم الجمعة وعليه السواد الى جامع القلعة وخطب خطبة بليغة ذكر فيها شرف بني العباس ودعا فيها للسلطان وللمسلمين ثم صلى بالناس ورسم بعمل خلعه خليفة الى السلطان وكتب له تقليدا وقرىء بظاهر القاهرة بحضرة الجمع وألبس الخليفة السلطان الخلعة بيده وفوض اليه الامور وركب السلطان بالخلعة والتقليد محمول على رأسه ودخل من باب النصر وزينت القاهرة والامراء مشاة بين يديه ورتب له أتابكيا واستادارا وخازندارا وحاجبا وشرابيا وكاتبا وعين له خزانة وجملة مماليك ومائة فرس وثلاثين بغلا وعشر قطارات جمال الى امثال ذلك
    ثم إنه عزم على التوجه الى العراق فخرج معه السلطان وشيعه الى دمشق وجهز معه ملوك الشرق صاحب الموصل وصاحب سنجار والجزيرة وغرم عليه وعليهم ألف ألف دينار وستين ألف دينار وسافروا حتى تجاوزوا هيت فلاقاهم التتار فحاربوهم فعدم الخليفة ولم يعلم له خبر
    وبعد ايام حضر شخص آخر من بني العباس وكان أيضا مختفيا عند بني خفاجة فتوصل مع العرب الى دمشق وأقام عند الامير عيسى بن مهنا فأخبر به صاحب دمشق فطلبه وكاتب السلطان في شأنه فأرسل يستدعيه فأرسله مع جماعة من امراء العرب فلما وصل الى القاهرة وجد المستنصر قد سبقه بثلاثة ايام فلم ير ان يدخل اليها فرجع الى حلب فبايعه صاحبها ورؤساؤها ومنهم عبد الحليم بن تيمية وجمع خلقا كثيرا وقصد عانة ولقب بالحاكم
    فلما خرج المستنصر وافاه بعانة فانقاد له هذا ودخل تحت طاعته وخاصته فلما قدم المستنصر قصد الحاكم الرحبة وجاء الى عيسى ابن مهنا فكاتب الملك الظاهر فيه فطلبه فقدم الى القاهرة ومعه ولده وجماعته فأكرمه الملك الظاهر وبايعوه بالخلافة كما سبق للمستنصر وأنزله بالبرج الكبير بالقلعة
    واستمرت الخلافة بمصر وأقام الحاكم فيها نيفا وأربعين سنة وهذه من مناقب الملك الظاهر
    ولما مات الملك الظاهر تولى بعده ابنه الملك السعيد ثم أخوه الملك العادل وكان صغيرا والامر لقلاوون فخلعه واستبد بالملك ولقب بالملك المنصور قلاوون الالفي الصالحي النجمي جد الملوك القلاوونية وهو صاحب الخيرات والبيمارستان المنصوري والمدرسة والقبة التي دفن بها وله فتوحات بسواحل البحر الرومي ومصافات مع التتار وغير ذلك تولى سنة ثمان وسبعين وستمائة ومات أواخر مدته احدى عشرة سنة
    وتولى بعده ابنه الملك الاشرف خليل بن قلاوون وكان بطلا شجاعا ذا همة علية ورياسة مرضية خانه امراؤه وغدروه وقتلوه بترانة جهة البحيرة سنة ثلاث وتسعين وستمائة ونقل لتربته التي أنشأها بالقرب من المشهد النفيسي بجانب مدرسة اخيه الصالح على بن قلاوون مات في حياة ابيه وكان هو أكبر أولاده مرشحا للسلطنة
    ولما مات الاشرف تولى بعده اخوه الملك الناصر محمد بن قلاوون الالفي الصالحي النجمي اقيم في السلطنة وعمره تسع سنين فأقام سنة وخلع بمملوك ابيه زين الدين ( كنبغا ) الملك العادل فثار الامير حسام الدين لاجين المنصوري نائب السلطنة على العادل وتسلطن عوضه ثم ثار عليه طغى وكبرى فقتلاه وقتلا ايضا
    واستدعي الناصر من الكرك فقدم واعيد الى السلطنة مرة ثانية فأقام عشر سنين وخمسة اشهر محجورا عليه والقائم بتدبير الدولة الاميران بيبرس الجاشنكير وسلار نائب السلطنة فدبر لنفسه في سنة ثمان وسبعمائة واظهر أنه يريد الحج بعياله فوافقه الاميران على ذلك وشرعا في تجهيزه وكتب الى دمشق والكرك برمي الاقامات وألزم عرب الشرقية بحمل الشعير فلما تهيأ لذلك احضر الأمراء تقاد معهم الخيل والجمال ثم ركب الى بركة الحاج وتعين معه للسفر جماعة من الأمراء
    وعاد بيبرس وسلار من غير أن يترجلا له عند نزوله بالبركة فرحل من ليلته وخرج الى الصالحية وعيد بها وتوجه الى الكرك فقدمها في عاشر شوال ونزل بقلعتها وصرح بأنه قد ثنى عزمه عن الحج واختار الاقامة بالكرك وترك السلطنة ليستريح وكتب الى الأمراء بذلك وسأل ان ينعم عليه بالكرك والشوبك واعاد من كان معه من الامراء وسلمهم الهجن وعدتها خمسمائة هجين والمال والجمال وجميع التقادم وامر نائب الكرك بالمسير عنه وتسلطن بيبرس الجاشنكير وتلقب بالملك المظفر وكتب للناصر تقليدا بنيابة الكرك
    فعندما وصله التقليد مع آل ملك اظهر البشر وخطب باسم المظفر على منبر الكرك وانعم على البريد الحاج آل ملك واعاده فلم يتركه المظفر واخذ يناكده ويطلب منه من معه من المماليك الذين اختارهم للاقامة عنده والخيول التي اخذها من القلعة والمال الذي اخذه من الكرك
    وهدده فحنق لذلك وكتب الى نواب الشام يشكو ما هو فيه فاحثوه على القيام لاخذ ملكه ووعدوه بالنصرة فتحرك لذلك وسار الى دمشق واتت النواب اليه وقدم الى مصر وفر بيبرس وطلع الناصر الى القلعة يوم عيد الفطر سنة تسع وسبعمائة فأقام في الملك اثنتين وثلاثين سنة وثلاثة اشهر ومات في ليلة الخميس حادي عشري ذي الحجة سنة احدى واربعين وسبعمائة وعمره سبع وخمسون سنة وكسور ومدة سلطنته ثلاث واربعون سنة وثمانية اشهر وتسعة أيام وكان ملكا عظيما جليلا كفؤا للسلطنة ذا دهاء محبا للعدل والعمارة وطابت مدته وشاع ذكره وطار صيته في الآفاق وهابته الاسود وخطب له في بلاد بعيدة
    ومن محاسنه انه لما استبد بالملك اسقط جميع المكوس من اعمال الممالك المصرية والشامية وراك البلاد وهو الروك الناصري المشهود وابطل الرشوة وعاقب عليها فلا يتقلد المناصب الا مستحقها بعد التروي والامتحان واتفاق الرأي ولا يقضي الا بالحق فكانت أيامه سعيدة وأفعاله حميدة
    وفي ايامه كثرت العمائر حتى يقال ان مصر والقاهرة زادا في ايامه اكثر من النصف وكذلك القرى بحيث صارت كل بلدة من القرى القبلية والبحرية مدينة على انفرادها وله ولامرائه مساجد ومدارس وتكايا مشهورة وحضر في أوائل دولته القان غازات بجنود التتار فخرج اليهم بعساكر مصر وهزمهم مرتين وبعض مناقبه تحتاج الى طول ونحن لا نذكر الا لمعا فمن أراد الاطلاع عليها فعليه بالمطولات
    وفي السيرة الناصرية مؤلف مخصوص مجلدان ضخمان ينقل عنه المؤرخون وللصفي الحلي فيه مرثية رائية بليغة نحو ستين بيتا ولما مات دفن على والده بالقبة المنصورية بين القصرين
    وتولى من اولاده واولاد اولاده اثنا عشر سلطانا منهم السلطان حسن صاحب الجامع بسوق الخيل بالرميلة ومن شاهده عرف علو همته بين الملوك وهو الذي ألف باسمه الشيخ بن أبي حجلة التلمساني كتبه العشرة التي منها ديوان الصبابة والسكردان وطوق الحمامة وحاطب ليل وقرع سن
    ومنهم الملك الاشرف شعبان بن حسين بن الملك الناصر محمد وهو الذي امر الاشراف بوضع العلامة الخضراء في عمائمهم وفي ذلك يقول بعضهم:
    جعلوا لابناء النبي علامة ● ان العلامة شأن من لم يشهر
    نور النبوة في كريم وجوههم ● يغني الشريف عن الطراز الاخضر
    وفي ايام الاشراف هذا قدمت الافرنج الى الأسكندرية على حين غفلة ونهبوا اموالها واسروا نساءها ووصل الخبر الى مصر فتجهز الاشرف وسار بعساكره فوجدهم قد ارتحلوا عنها وتركوها
    ولهذه الواقعة تاريخ اطلعت عليه في مجلدين ويقال ان الفرنساوي الذين يكون في أذنه قرط امه اصلها من النساء المأسورات في تلك الواقعة
    وفي ايامه كثر عبث المماليك الاجلاب فأمر باخراجهم من مصر فتجمعوا وعصوا فحاربهم وقاتلهم فانهزموا فقبض على كثير منهم فقتل منهم طائفة وغرق منهم طائفة ونفى منهم طائفة وبقى منهم بمصر طائفة التجأوا الى بعض الامراء وهؤلاء المماليك كانوا من مماليك يلبغا العمري مملوك السلطان حسن ومنهم صرغتمش واسند مرو آلجاي اليوسفي وهم كثيرون مختلفوا الاجناس ومنهم من جنس الجركس فلم يزالوا في اختلاف ومقت وهياج وحقد للدولة الى أن تحيلوا وتراجعوا وتداخلوا في الدولة فاستقر أمرهم على ان طائفة منهم سكنوا بالطباق ودخلوا في مماليك الاسياد أي أولاد السلطان ومنهم من بقي أمير عشرة لا غير ومنهم من انضم الى المماليك السلطانية ومماليك الامراء وكانوا أرذل مذكور في الاقليم المصري
    فلما عزم الاشرف على الحج وأخذ في أسباب ذلك انتهزوا عند ذلك الفرصة وكتموا امرهم ومكروا مكرهم وتواعدوا مع اصحابهم الذين بصحبة السلطان انهم يثيرون الفتنة مع السلطان في العقبة وكذلك المقيمون بمصر يفعلون فعلهم حتى ينقضوا نظام الدولة ويزيلوا السلطان والامراء
    ولما خرج السلطان من مصر خرج في ابهة عظيمة وتجمل زائد بعد ان رتب الامور واستخلف بمصر وثغورها من يثق به واخذ بصحبته من لا يظن فيه الخيانة ومنهم جملة من الجلبان وابقى منهم ومن غيرهم بمصر كذلك ولا ينفع الحذر من القدر
    فلما خرج السلطان وبعد عن مصر اثاروا الفتنة بعد ان استمالوا طائفة من المماليك السلطانية وفعلوا ما فعلوه ونادوا بموت السلطان وولوا ابنه ووقفوا مستعدين منتظرين فعل اصحابهم الغائبين مع السلطان وثار ايضا اصحابهم على السلطان في العقبة فانهزم بعد امور طالبا المجيء الى مصر وصحبته الامراء الكبار وبعض المماليك ونهبت الخزينة والحج وذهب البعض الى الشام والبعض الى الحجاز والبعض الى مصر صحبة حريم السلطان وجرى ما هو مسطر في الكتاب من ذبح الامراء واختفاء السلطان وخنقه وتمكن هؤلاء الاجلاب من الدولة ونهبوا بيوت الاموال وذخائر السلطان واقتسموا محاظيه وكذلك الامراء ووصل كل صعلوك منهم لمراتع الملوك وأزالوا عن الدولة القلاوونية وأخذوا لانفسهم الامريات والمناصب وأصبح الذين كانوا بالامس اسفل الناس ملوك الارض يجبى اليهم ثمرات كل شيء الجراكسة ثم وقعت فيهم حوادث وحروب اسفرت عن ظهور برقوق الجركسي احد مماليك يلبغا العمري واستقراره اميرا كبيرا وكان غاية في الدهاء والمكر فلم يزل يدبر لنفسه حتى عزل بن الاشرف واخذ السلطنة لنفسه وهو اول ملوك الجراكسة بمصر
    وبالاشرف شعبان هذا وأولاده زالت دولة القلاوونية وظهرت دولة الجراكسة اولهم برقوق وبعده ابنه فرج واستمر الملك فيهم وفي اولادهم الى الاشرف قانصوه الغوري وابتداء دولتهم سنة اربع وثمانين وسبعمائة وانقضاؤها سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة فتكون مدة دولتهم مائة سنة وتسعة وثلاثين سنة
    وسبب انقضائها فتنة السلطان سليم شاه ابن عثمان وقدومه الى الديار المصرية فخرج اليه سلطان مصر قانصوه الغوري فلاقاه عند مرج دابق بحلب وخامر عليه امراؤه خير بك والغزالي فخذلوه وفقدوه ولم يزل حتى تملك السلطان سليم الديار المصرية والبلاد الشامية
    واقام خير بك نائبا بها كما هو مسطر ومفصل في تواريخ المتأخرين مثل مرج الزهور لابن اياس وتاريخ القرماني وابن زقبل وغيرهم
    وعادت مصر الى النيابة كما كانت في صدر الاسلام ولما خلص له امر مصر عفا عمن بقي من االجراكسة وابنائهم ولم يتعرض لاوقاف السلاطين المصرية بل قرر مرتبات الاوقاف والخيرات والعلوفات وغلال الحرمين والانبار ورتب للايتام والمشايخ والمتقاعدين ومصارف القلاع والمرابطين وابطل المظالم والمكوس والمغارم
    ثم رجع الى بلاده واخذ معه الخليفة العباسي وانقطعت الخلافة والمبايعة واخذ صحبته ما انتقاه من ارباب الصنائع التي لم توجد في بلاده بحيث انه فقد من مصر نيف وخمسون صنعة
    ولما توفي تولى بعده ابنه المغازي السلطان سليمان عليه الرحمة والرضوان فاسس القواعد وتمم المقاصد ونظم الممالك وأنار الحوالك ورفع منار الدين واخمد نيران الكافرين وسيرته الجميلة اغنت عن التعريف وتراجمه مشحونة بها التصانيف
    ولم تزل البلاد منتظمة في سلكهم ومنقادة تحت حكمهم من ذلك الاوان الذي استولوا عليها فيه الى هذا الوقت الذي نحن فيه وولاة مصر نوابهم وحكامها امراؤهم
    وكانوا في صدر دولتهم من خير من تقلد امور الامة بعد الخلفاء المهديين واشد من ذب عن الدين واعظم من جاهد في المشركين فلذلك اتسعت ممالكهم بما فتحه الله على ايديهم وايدي نوابهم وملكوا احسن المعمور من الارض ودانت لهم الممالك في الطول والعرض
    هذا مع عدم اغفالهم الامر وحفظ النواحي والثغور واقامة الشعائر الاسلامية والسنن المحمدية وتعظيم العلماء واهل الدين وخدمة الحرمين الشريفين والتمسك في الاحكام والوقائع بالقوانين والشرائع فتحصنت دولتهم وطالت مدتهم وهابتهم الملوك وانقاد لهم الممالك والمملوك
    ومما يحسن ايراده هنا ما حكاه الاسحاقي في تاريخه انه لما تولى السلطان سليم ابن السلطان سليمان المذكور كان لوالده مصاحب يدعى شمسي باشا العجمي ولا يخفي ما بين آل عثمان والعجم من العداوة المحكمة الاساس فأقر السلطان سليم شمسي باشا العجمي مصاحبا على ما كان عليه ايام والده وكان شمسي باشا المذكور له مداخل عجيبة وحيل غريبة يلقيها في قالب مرض ومصاحبة يسحر بها العقول فقصد ان يدخل شيئا منكرا يكون سببا لخلخلة دولة آل عثمان وهو قبول الرشا من ارباب الولاة والعمال
    فلما تمكن من مصاحبة السلطان قال له على سبيل العرض عبدكم فلان المعزول من منصب كذا وليس بيده منصب الان قصده من فيض انعامكم عليه المنصب الفلاني ويدفع الى الخزينة كذا وكذا
    فلما سمع السلطان سليم ما ابداه شمسي باشا علم انها مكيدة منه وقصده ادخال السوء بيت آل عثمان فتغير مزاجه وقال له يا رافضي مريد ان تدخل الرشوة بيت السلطنة حتى يكون ذلك سببا لازالتها
    وامر بقتله فتلطف به وقال له يابا دشاه لا تعجل هذه وصية والدك لي فانه قال لي ان السلطان سليم صغير السن وربما يكون عنده ميل للدنيا فاعرض عليه هذا الامر فإن جنح اليه فامنعه بلطف فان امتنع فقل له هذه وصية والدك فدم عليها ودعا له بالثبات وخلص من القتل فانظر يا اخي وتأمل فيما تضمنته هذه الحكاية من المعاني
    واقول بعد ذلك يضيق صدري ولا ينطلق لساني وليس الحال بمجهول حتى يفصح عنه اللسان بالقول وقد اخر سني العجز ان افتح فما افغير الله ابتغى حكما
    وفي اثناء الدولة العثمانية ونوابهم وامرائهم المصرية ظهر في عسكر مصر سنة جاهلية وبدعة شيطانية زرعت فيهم النفاق واسست فيما بينهم الشقاق ووافقوا فيها اهل الحرف اللئام في قولهم سعد وحرام وهو ان الجند بأجمعهم اقتسموا قسمين واحتزبوا بأسرهم حزبين فرقة يقال لها فقارية واخرى تدعى قاسمية ولذلك اصل مذكور وفي بعض سير المتأخرين مسطور لا بأس بايراده في المسامرة تتميما للغرض في مناسبة المذاكرة وهو ان السلطان سليم شاه لما بلغ من ملك الديار المصرية مناه وقتل من قتل من الجراكسة وسامهم في سوق المواكسة قال يوما لبعض جلسائه وخاصته واصدقائه يا هل ترى هل بقي احد من الجراكسة نراه وسؤال من جنس ذلك ومعناه
    فقال له خيربك نعم ايها الملك العظيم هنا رجل قديم يسمى سودون الامير طاعن في السن كبير رزقه الله تعالى بولدين شهمين بطلين لا يضاهيهما احد في الميدان ولا يناظرهما فارس من الفرسان
    فلما حصلت هذه القضية تنحى عن المفارشة بالكلية وحبس ولديه بالدار وسد ابوابه بالاحجار وخالف العادة واعتكف على العبادة وهو الى الان مستمر على حالته مقيم في بيته وراحته
    فقال السلطان هذا والله رجل عاقل خبير كامل ينبغي لنا ان نذهب لزيارته ونقتبس من بركته واشارته قوموا بنا جملة نذهب اليه على غفلة لكي اتحقق المقال واشاهده على أي حالة هو من الاحوال
    ثم ركب في الحال ببعض الرجال الى ان توصل اليه ودخل عليه فوجده جالسا على مسطبة الايوان وبين يديه المصحف وهو يقرأ القرآن وعنده خدم واتباع وعبيد ومماليك انواع فعندما عرف انه السلطان بادر لمقابلته بغير توان وسلم عليه ومثل بين يديه فأمره بالجلوس ولاطفه بالكلام المأنوس الى ان أطمأن خاطره وسكنت ضمائره فسأله عن سبب عزلته وانجماعه عن خلطته بعشيرته فاجابه انه لما رأى في دولتهم اختلال الامور وترادف الظلم والجور وان سلطانهم مستقل برأيه فلم يضع الى وزير ولا عاقل مشير واقصى كبار دولته وقتل اكثرهم بما امكنه من حيلته وقلد مماليكه الصغار مناصب الامراء الكبار ورخص لهم فيما يفعلون وتركهم وما يفترون فسعوا بالفساد وظلموا العباد وتعدوا على الرعية حتى في المواريث الشرعية فانحرفت عنه القلوب وابتهلوا الى علام الغيوب فعلمت ان امره في ادبار ولا بد لدولته من الدمار فتنحيت عن حال الغرور وتباعدت عن نار الشرور ومنعت ولدي من التداخل في الاهوال وحبستهما عن مباشرة القتال خوفا عليهما لما اعلمه فيهما من الاقدام فيصيبهما كغيرهما من البلاء العام فان عموم البلاء منصوص واتقاء الفتن بالرحمة مخصوص
    ثم احضر ولديه المشار اليهما واخرجهما من محبسهما فنظر اليهما السلطان فرأى فيهما مخايل الفرسان الشجعان وخاطبهما فأجاباه بعبارة رقيقة والفاظ رشيقة ولم يخطئا في كل ما سألهما فيه ولم يتعديا في الجواب فضل التشبيه والتنبيه ثم احضروا ما يناسب المقام من موائد الطعام فأكل وشرب ولذ وطاب وحصل له مزيد الانشراح وكمال الارتياح
    وقدم الامير سودون الى السلطان تقادم وهدايا وتفضل عليه الخان ايضا بالانعام والعطايا وامر بالتوقيع لهم حسب مطالبهم ورفع درجة منازلهم ومراتبهم ولما فرغ من تكرمه واحسانه ركب عائدا الى مكانه وأصبح ثاني يوم ركب السلطان مع القوم وخرج الى الخلا بجمع من الملا وجلس ببعض القصور ونبه على جميع اصناف العساكر بالحضور فلم يتأخر منهم أمير ولا كبير ولا صغير فطلب الامير سودون وولديه فحضروا بين يديه فقال لهم أتدرون لم طلبتكم وفي هذا المكان جمعتكم
    فقالوا لا يعلم ما في القلوب الا علام الغيوب فقال اريد ان يركب قاسم واخوه ذو الفقار ويترامحا ويتسابقا بالخيل في هذا النهار فامتثلا أمره المطاع لانهما صارا من الجند والاتباع فنزلا وركبا ورمحا ولعبا واظهرا من انواع الفروسية الفنون حتى شخصت فيهما العيون وتعجب منهما الاتراك لانهم ليس لهم في ذلك الوقت ادراك
    ثم اشار اليهما فنزلا عن فرسيهما وصعدا الى اعلى المكان فخلع عليهما السلطان وقلدهما امارتان ونوه بذكرهما بين الاقران وتقيدا بالركاب ولازما في الذهاب والاياب
    ثم خرج في اليوم الثاني وحضر الامراء والعسكر المتواني فامرهم ان ينقسموا باجمعهم قسمين وينحازوا باسرهم فريقين قسم يكون رئيسهم ذا الفقار والثاني اخوه قاسم الكرار
    واضاف الى ذي الفقار اكثر فرسان العثمانيين والى قاسم اكثر الشجعان المصريين وميز الفقارية بلبس الابيض من الثياب وامر القاسمية ان يتميزوا بالاحمر في الملبس والركاب
    وامرهم ان يركبوا في الميدان على هيئة المتحاربين وصورة المتنابذين المتخاصمين فاذعنوا بالانقياد وعلوا على ظهور الجياد وساروا بالخيل وانحدروا كالسيل وانعفوا متسابقين ورمحوا متلاحقين وتناوبوا في النزال واندفعوا كالجبال وساقوا في الفجاج واثاروا العجاج ولعبوا بالرماح وتقابلوا بالصفاح وارتفعت الاصوات وكثرت الصيحات وزادت الهيازع وكثرت الزعازع وكاد الخرق يتسع على الراقع وقرب ان يقع القتل والقتال فنودي فيهم عند ذلك بالانفصال فمن ذلك اليوم افترق امراء مصر وعساكرها فرقتين واقتسموا بهذه الملعبة حزبين
    واستمر كل منهم على محبة اللون الذي ظهر فيه وكره اللون الآخر في كل ما يتقبلون فيه حتى اواني المتناولات والمأكولات والمشروبات والفقارية يميلون الى نصف سعد والعثمانيين والقاسمية لا يألفون الى نصف حرام والمصريين
    وصار فيهم قاعدة لا يتطرقها اختلال ولا يمكن الانحراف عنها بحال من الاحوال ولم يزل الامر يفشو ويزيد ويتوارثه السادة والعبيد حتى تجسم ونما واهريقت فيه الدماء
    فكم خربت بلاد وقتلت امجاد وهدمت دور واحرقت قصور وسبيت احرار وقهرت اخيار وقيل غير ذلك وان اصل القاسمية ينسبون الى قاسم بك الدفتر دار تابع مصطفى بك والفقارية نسبة الى ذي الفقار بك الكبير واول ظهور ذلك من سنة خمسين والف والله اعلم بالحقائق
    واتفق ان قاسم بك المذكور انشأ في بيته قاعة جلوس وتأنق في تحسينها وعمل فيها ضيافة لذي الفقار بك أمير الحاج المذكور فاتى عنده وتغدى عنده بطائفة قليلة ثم قال له ذو الفقار بك وانت ايضا تضيفني في غد وجمع ذو الفقار مماليكه في ذلك اليوم صناجق وامراء وااختيارية في الوجاقات وحضر قاسم بك بعشرة من طائفته واثنين خواسك خلفه والسعادة والسراج فدخل عنده في البيت واوصى ذو الفقار أن لا احد يدخل عليهما الا بطلب الى ان فرشوا السماط وجلس صحبته على السماط فقال قاسم بك حتى الصناجق والاختيارية فقال ذو الفقار انهم يأكلون بعدنا هؤلاء جميعهم مماليكي عندما اموت يترحمون علي ويدعون لي وانت قاعتك تدعو لك بالرحمة الكونك ضيعت المال في الماء والطين فعند ذلك تنبه قاسم بك وشرع ينشيء اشراقات كذلك وكانت الفقارية موصوفة بالكثرة والكرم والقاسمية بكثرة المال والبخل وكان الذي يتميز به احد الفريقين من الآخر اذا ركبوا في المواكب ان يكون بيرق الفقاري ابيض ومزاريقه برمانة وبيرق القاسمية احمر ومزاريقه بجلبة ولم يزل الحال على ذلك

    { بداية القرن الثاني عشر الهجرى }

    واستهل القرن الثاني عشر الهجرى وامراء مصر فقارية وقاسمية فالفقارية ذو الفقار بك ابراهيم بك امير الحاج ودرويش بك واسمعيل بك ومصطفى بك قزلار واحمد بك قزلار بجدة ويوسف بك القرد وسليمان بك بارم ذيله ومرجان جوزبك كان اصله قهوجي السلطان محمد قلدوه صنجقا فقاريا بمصر الجميع تسعة وامير الحاج منهم والقاسمية مراد بك الدفتر دار ومملوكه ايواظ بك وابراهيم بك ابو شنب وقانصوه بك واحمد بك منوفية وعبد الله بك ونواب مصر من طرف السلطان سليمان بن عثمان في اوائل القرن حسن باشا السلحدار سنة تسع وتسعين والف وسنة مائة وواحد بعد الالف والسلطان في ذلك الوقت السلطان سليمان بن ابراهيم خان وتقلد ابراهيم بك ابو شنب امارة الحاج واسمعيل بك فتردار وذلك سنة تسع وتسعين
    وفي اواخر الحجة سنة تسع وتسعين والف حصلت واقعة عظيمة بين ابراهيم بك ابن ذي الفقار وبين العرب الحجازيين خلف جبل الجيوشي وقتلوا كثيرا من العرب ونهبوا ارزاقهم ومواشيهم واحضر منهم اسرى كثيرة ووقفت الغرب في طريق الحج تلك السنة بالشرفة فقتلوا من الحاج خلقا كثيرا واخذوا نحو الف جمل باحمالها وقتلوا خليل كتخدا الحج فعين عليهم خمسة امراء من الصناجق فوصلوا الى العقبة وهرب العربان وفي ايامه سافر الفا شخص من العسكر والبسوا عليهم مصطفى بك طكوز جلان وسافروا الى ادرنه في غرة جمادي الأولى سنة مائة والف
    وفي رابع جمادي الثانية خنق الباشا كتخدا بعد ان ارسله الى دير الطين على انه يتوجه الى جرجا لتحصيل الغلال وذلك لذنب نقمه عليه وفي شعبان نقب المحابيس العرقانة وهرب المسجونون منها
    وفي ايامه غلت الاسعار مع زيادة النيل وطلوعه في اوانه على العادة ثم عزل حسن باشا ونزل الى بيت محمد بك حاكم جرجا المقتول وتولى قيطاس بك قائمقام فكانت مدته هذه سنة واحدة وتسعة اشهر
    ثم تولى احمد باشا وكان سابقا كتخدا ابراهيم باشا الذي مات بمصر وحضر احمد باشا من طريق البر وطلع الى القلعة في سادس عشر المحرم سنة مائة واحدى والف ووصل اغا بطلب الفي عسكري وعليهم صنجق يكون عليهم سر دار فعينوا مصطفى بك حاكم جرجا سابقا وسافر في منتصف جمادي الآخرة
    وفي هذا التاريخ سافرت تجريدة عظيمة الى ولاية البحيرة والبهنسا وعليهم صنجقان وتوجهوا في ثاني عشر جمادي الآخرة وسافر ايضا خلفهم اسمعيل بك وجميع الكشاف وكتخدا الباشا واغوات البلكات وكتخدا الجاويشية وبعض اختيارية وحاربوا ابن وافي وعربانه مرارا ثم وقعت بينهم وقعة كبيرة فهزم فيها الاحزاب وولوا منهزمين نحو الغرق واما قيطاس بك وحسن اغا بليغا وكتخدا الباشا فانهم صادفوا جمعا من العرب في طريقهم فاخذوهم ونهبوا مالهم وقطعوا منهم رؤوساء ثم حضر والى مصر وفي ايامهم كانت وقعة ابن غالب شريف مكة ومحاربته بها مع محمد بك حاكم جدة فكانت الهزيمة على الشريف
    وتولى السيد محسن بن حسين بن زيد امارة مكة ونودي بالامان بعد حروب كثيرة وزينت مكة ثلاثة ايام بلياليها وذلك في منتصف رجب ومرض احمد باشا وتوفي ثاني عشر جمادي الآخرة سنة اثنتين ومائة والف ودفن بالقرافة فكانت مدته سنة واحدة وستة اشهر ومن مآثره ترميم الجامع المؤيدي وقد كان تداعى الى السقوط فامر بالكشف عليه وعمره ورمه
    وفي رابع عشر رجب توفي قيطاس بك الدفتر دار
    وفي ثاني يوم حضر قانصوه بك تابع المتوفي من سفره بالخزينة مكان كتخدا الباشا المتولي قائمقام بعد موت سيده فألبس قانصوه بك دفتر دار ثم ورد مرسوم بولاية علي كتخدا الباشا قائمقام واذن بالتصرف الى آخر مسرى فكانت مدة تصرفه اربعة وتسعين يوما ثم تولى علي باشا وحضر من البحر الى القلعة
    في ثاني عشرى رمضان سنة اثنتين ومائة والف وحضر صحبته تترخان واقام بمصر الى ان توجه الى الحج ورجع على طريق الشام
    وفي ثاني عشري القعدة حضر قرا سليمان من الديار الرومية ومعه مرسوم مضمونه الخبر بجلوس السلطان احمد بن السلطان ابراهيم فزينت مصر ثلاثة ايام وضربت مدافع من القلعة
    وفي ثالث عشر صفر سنة ثلاث ومائة والف ورد نجاب من مكة واخبر بان الشريف سعد تغلب على محسن وتولى امارة مكة فارسل الباشا عرضا الى السلطنة بذلك
    وفي ثامن ربيع اول ورد مرسوم مضمونه ولاية نظر الدشابش والحرمين لاربعة من الصناجق فتولى ابراهيم بك ابن ذي الفقار امير الحاج حالا عوضا عن اغات مستحفظان ومراد بك الدفتر دار على المحمدية عوضا عن كتخدا مستحفظان وعبدالله بك على وقف الخاصكية عوضا عن كتخدا العزب واسمعيل بك على اوقاف الحرمين عوضا عن باش جاويش مستحفظان فالبسهم علي باشا قفاطين على ذلك
    وفي مستهل رمضان من السنة حضر من الديار الرومية الشريف سعد بن زيد بولاية مكة وتوجه الى الحجاز
    وفي شهر شوال سافر على كتخدا احمد باشا المنوفي الى الروم وفي تاريخه تقلد اسمعيل بك الدفتردارية عوضا عن مراد بك
    وفي ثالث عشر شوال قتل جلب خليل كتخدا مستحفظان ببابهم وحصلت في بابهم فتنة اثارها كحك محمد واخرجوا سليم افندي من بلكهم ورجب كتخدا والبسوهما الصنجقية في ثالث عشرينه وابطل كجك محمد الحمايات من مصر باتفاق السبع بلكات وابطلوا جميع ما يتعلق بالعزب والانكشارية من الحمايات بالثغور وغيرها وكتب بذلك بيورلدي ونادوا به في الشوارع
    وفي غرة القعدة قبض الباشا على سليم افندي وخنقه بالقلعة ونزل الى بيته محمولا في تابوت وتغيب رجب كتخدا ثم استعفى من الصنجقية فرفعوها عنه وسافر الى المدينة
    وفي ثامن عشر ربيع الاول ورد مرسوم بتزيين الاسواق بمصر وضواحيها بمولودين توأمين رزقهما السلطان احمد سمي احدهما سليان والآخر ابراهيم
    وفي ثاني عشر شعبان سافر حسين بك ابو يدك بألف نفر من العسكر لاحقا بابراهيم بك ابي شنب وقد كان سافر في اواخر ربيع الاول لقلعة كريد
    وفي ثاني عشري رمضان سنة خمس ومائة والف هجرية الموافق الحادي عشر بشنس هبت ريح شديدة وتراب اظلم منه الجو وكان الناس في صلاة الجمعة فظن الناس انها القيامة وسقطت المركب التي على منارة جامع طولون وهدمت دور كثيرة

    { سنة ست ومائة والف هجرية }

    وقصر مد النيل تلك السنة وهبط بسرعة فشرقت الارضي ووقع الغلاء والفناء
    وفي شهر الحجة سافر اناس من مكة الى دار السلطنة وشكوا من ظلم الشريف سعد فعين إليه محمد بك نائب جده وإسمعيل باشا نائب الشام فوردا بصحبة الحاج فتحاربوا معه ونزعوه ونهب العسكر منزله وولوا الشريف عبدالله بن هاشم على مكة ثم بعد عود الحاج رجع سعد وتغلب وطرد عبد الله بن هاشم
    وفي هذه السنة وقعت مصالحات في المال الميري بسبب الري والشراقي
    وفي ثاني عشر جمادي الآخرة حضر الشريف احمد بن غالب امير مكة مطرودا من الشريف سعد
    وفي ثامن عشري رجب سنة ألف ومائة وستة ورد الخبر بجلوس السلطان مصطفى بن محمد
    وفي ثاني عشر شعبان طلع احمد بك بموكب مسافر اباش على الف عسكري الى انكروس وطلع بعده أيضا في سابع عشرينه اسمعيل بك بالف عسكري لمحافظة رودس بموكب الى بولاق فأقام بها ثلاثة ايام ثم سافر الى الاسكندرية
    وفي رابع شعبان ورد مرسوم بضبط اموال نذير اغا واسمعيل اغا الطواشيين فسجنوهما بباب مستحفظان وضبطوا اموالهما وختموها
    وفي خامس شوال انهى ارباب الاوقاف والعلماء والمجاورون بالازهر الى علي باشا امتناع الملتزمين من دفع خراج الاوقاف وخراج الرزق المرصدة على المساجد وما يلزم من تعطيل الشعائر فأمر الملتزمين بدفع ما عليهم من غير توقف فامتثلوا
    وفي شوال ارسل الباشا الى مراد بك الدفتردار بعمل جمعية في بيته بسبب غلال الانبار فاجتمعوا وتشاوروا في ذلك فوقع التوافق ان البلاد الشرقي تبقى غلالها الى العام القابل واما الري فيدفع ملتزموها ما عليهم واخذوا اوراقا بيعت بالثمن اشتراها الملتزمون من ارباب الاستحقاق عن الجراية مائة وخمسون نصفا وغلق الملتزمون ما عليهم بشراء الوصولات
    وفي ثاني عشر شوال ورد الخبر من منفلوط بان الشريف فارس بن اسمعيل التيتلاوي قتل عبدالله بن وافي شيخ عرب المغاربة
    وفي حادي عشر القعدة ورد اغا بمرسوم بمبيع متاع نذير اغا واسمعيل اغا المعتقلين وضبط اثمانها ما عدا الجواهر والذخائر التي اختلسوها من السرايا فانها تبقى بأعيانها وان يفحص عن اموالهما واماناتهما وان يسجنا في قلعة الينكجرية ففعل بهم ذلك وبلغ اثمان المبيعات الفا واربعمائة كيس خلاف الجواهر والذخائر فانها جهزت مع الاموال صحبة الخزينة على يد سليمان بك كاشف ولاية المنوفية
    وفي منتصف المحرم سنة سبع ومائة والف اجتمع الفقراء والشحاذون رجالا ونساء وصبيانا وطلعوا الى القلعة ووقفوا بحوش الديوان وصاحوا من الجوع فلم يجبهم احد فرجموا بالاحجار فركب الوالي وطردهم فنزلوا الى الرميلة ونهبوا حواصل الغلة التي بها ووكالة القمح وحاصل كتخدا الباشا وكان ملآنا بالشعير والفول وكانت هذه الحادثة ابتداء الغلاء حتى بيع الاردب القمح بستمائة نصف فضة والشعير بثلثمائة والفول باربعمائة وخمسين والارز بثمانمائة نصف فضة واما العدس فلا يوجد وحصل شدة عظيمة بمصر واقاليمها وحضرت اهالي القرى والارياف حتى امتلأت منهم الازقة واشتد الكرب حتى اكل الناس الجيف ومات الكثير من الجوع وخلت القرى من اهاليها وخطف الفقراء الخبز من الاسواق ومن الافران ومن على رؤوس الخبازين ويذهب الرجلان والثلاثة مع طبق الخبز يحرسونه من الخطيف وبايديهم العصي حتى يخبزوه بالفرن ثم يعودون به
    واستمر الامر على ذلك الى ان عزل علي باشا في ثامن عشري المحرم سنة سبع ومائة الف وورد مسلم اسمعيل باشا من الشام وجعل ابراهيم بك أبا شنب قائم مقام ونزل علي باشا الى منزل احمد كتخدا العزب المطل على بركة الفيل فكانت مدته اربع سنوات وثلاثة اشهر واياما ثم تولى اسماعيل باشا وحضر من البر وطلع الى القلعة بالموكب على العادة في يوم الخميس سابع عشر صفر فلما استقر في الولاية ورأى ما فيه الناس من الكرب والغلاء امر بجميع الفقراء والشحاذين بقراميدان فلما اجتمعوا امر بتوزيعهم على الامراء والاعيان كل انسان على قدر حاله وقدرته واخذ لنفسه جانبا ولاعيان دولته جانبا وعين لهم ما يكفيهم من الخبز والطعام صباحا ومساء الى ان انقضى الغلاء واعقب ذلك وباء عظيم فامر الباشا بيت المال ان يكفن الفقراء والغرباء فصاروا يحملون الموتى من الطرقات ويذهبون بهم الى مغسل السلطان عند سبيل المؤمن الى ان انقضى امر الوباء وذلك خلاف من كفنه الاغنياء واهل الخير من الامراء والتجار وغيرهم وانقضى ذلك في آخر شوال وتوفي فيه الشيخ زين العابدين البكري وابراهيم بك ابن ذي الفقار امير الحاج وغيرهما
    ولما انقضى ذلك عمل الباشا مهما عظيما لختان ولده ابراهيم بك وختن معه الفين وثلثمائة وستة وثلاثين غلاما من اولاد الفقراء ورسم لكل غلام بكسوة كاملة ودينار وورد مرسوم بمحاسبة علي باشا المنفصل فحوسب فطلع عليه ستمائة كيس فختموا منزله وباعوا موجوداته حتى غلق ذلك وورد امر بالزينة بسبب نصره فزينت المدينة وضواحيها ثلاثة ايام
    وفي رجب ورد مرسوم بطلب الفين من العسكر واميرهم مراد بك فلبس الخلع هو وارباب المناصب وسافروا في حادي عشر شعبان
    وفي سابع عشر رجب سنة سبع ومائة والف تقلد قيطاس بك تابع امير الحاج ذي الفقار بك الصنجقية عوضا عن ابن سيده ابراهيم بك وورد الافراج عن نذير آغا ورتب له خمسمائة عثماني وخمس جرايات وعشر علائف في ديوان مصر واستمر رفيقه اسمعيل اغا في السجن
    وفي رابع رجب ورد احمد بك من السفر وفي سابعه تقلد ايوب بك امارة الحج
    وفي ثاني شعبان ورد اسمعيل راجعا من السفر
    وفي ثالث عشر ربيع الاول سنة ثمان ومائة والف ورد امر بتزيين اسواق مصر سرورا بمولود للسلطان وسمي محمودا وورد ايا الخبر باستشهاد مراد بك
    وفي ثالث عشر رمضان من السنة قامت العساكر على ياسف اليهودي فقتلوه وجروه من رجله وطرحوه في الرميلة وقامت الرعايا فجمعوا حطبا واحرقوه وذلك يوم الجمعة بعد الصلاة
    وسبب ذلك انه كان ملتزما بدار الضرب في دولة علي باشا المنفصل ثم طلب الى اسلامبول وسئل عن احوال مصر فأملى امورا والتزم بتحصيل الخزينة زيادة عن المعتاد وحسن بمكره احداث محدثات ولما حضر مصر تلقته اليهود من بولاق واطلعوه الى الديوان وقرئت الاوامر التي حضر بها ووافقه الباشا على اجرائها وتنفيذها
    واشهر النداء بذلك في شوارع مصر فاغتنم الناس وتوجه التجار واعيان البلد الى الامراء وراجعوهم في ذلك فركب الامراء والصناجق وطلعوا الى القلعة وفاوضوا الباشا فجاد بهم بما لا يرضيهم فقاموا عليه قومة واحدة وسألوه ان يسلمهم اليهودي فامتنع من تسليمه فاغلظوا عليه وصمموا على اخذه منه فأمرهم بوضعه في العرقانة ولا يشوشوا عليه حتى ينظروا في امره ففعلوا به كما امرهم فقامت الجند على الباشا وطلبوا ان يسلمهم اليهودي المذكور ليقتلوه فامتنع فمضوا الى السجن واخرجوه وفعلوا به ما ذكر
    وفي تاريخه احضر الباشا الشيخ محمد الزرقاني احد شهود المحكمة بسبب انه كتب حجة وقف منزل آل بيت المال فأمر بحلق لحيته وتشهيره على جمل في الاسواق والمنادي ينادي عليه هذا جزاء من يكتب الحجج الزور ثم امر بنفيه الى جزيرة الطينة
    وفي صفر وردت سكة دينار عليها طرة فجمع الباشا الامراء واحضر امين الضربخانة وسلمها له وامره ان يطبع بها وان يكون عيار الذهب اثنين وعشرين قيراطا والوزن كل مائة شريفي مائة وخمسة عشر درهما وسعر ابي طرة مائة وخمسة عشر نصفا وفي ذلك الشهر لبس عبدالرحمن بك على ولاية جرجا وتوجه اليها
    وفي ثاني عشر ربيع الاول قامت العسكر المصرية وعزلوا الباشا فكانت مدة اسمعيل باشا سنتين وتقلد مصطفى بك قائمقام مصر الى ان حضر حسين باشا من صيدا وطلع الى القلعة في موكب عظيم في منتصف رجب سنة تسع ومائة والف
    وورد مرسوم بطلب تجهيز الفي نفر من العسكر وعليهم يوسف بك المسلماني فقضى اشغاله وسافر في تاسع عشر رمضان
    وفي منتصف شهر ذي الحجة خرج اسمعيل باشا الى العادلية ليسافر وكان قد حاسبه حسين باشا فتأخر عليه خمسون الف اردب دفع عنها خمسين كيسا وباع منزله وبلاد البدرشين التي كان قد وقفها وتوجه الى بغداد

    { سنة عشر ومائة والف هجرية }

    وفي سنة عشر ومائة والف اخذ ارباب الاستحقاقات الجراية ولعلائف بثمن عن كل اردب قمح خمسة وعشرون نصفا فضة وكل رادب شعير ستة عشر نصفا
    وفي آخر جمادي الثانية ظهر رجل من اهل الفيوم يدعى بالعليمي قدم الى القاهرة واقام بظهر القهوة المواجهة لسبيل المؤمن فاجتمع عليه كثير من العوام وادعوا فيه الولاية واقبلت عليه الناس من كل جهة واختلط النساء بالرجال وكان يحصل بسببه مفاسد عظيمة فقامت عليه العسكر وقتلوه بالقلعة ودفن بناحية مشهد السيدة نفيسة رضي الله عنها
    وفي رابع عشر شوال كانت واقعة المغاربة من اهل تونس وفاس وذلك ان من عادتهم ان يحملوا كسوة الكعبة التي تحمل كل سنة للبيت الحرام ويمرون بها في وسط القاهرة وتحمل المغاربة جانبا منها للتبرك بها ويضربون كل من رأوه يشرب الدخان في طريق مرورهم
    فرأوا رجلا من اتباع مصطفى كتخدا القازدغلي فكسروا انبوبته وتشاجروا معه وشجوا رأسه وكان في مقدمتهم طائفة منهم متسلحون وزاد التشاجر واتسعت القضية وقام عليهم اهل السوق
    وحضر اوده باشة البوابة فقبض على اكثرهم ووضعهم في الحديد وطلع بهم الى الباشا واخبروه بالقضية فأمر بسجنهم بالعرقانة فاستمروا حتى سافر الحج من مصر ومات منهم جماعة في السجن ثم افرج عن باقيهم
    ثم تولى قره محمد باشا وحضر الى مصر منتصف ربيع الثاني سنة احدى عشرة ومائة والف وهو كتخدا اسمعيل باشا المتقدم ذكره وفي ايامه سنة اربع عشرة حصلت حادثة الفضة المقصوصة والتسعيرة وسيأتي الخبر ذلك في ترجمة علي اغا مستحفظان

    { سنة خمس عشرة ومائة والف هجرية }

    وفي سنة خمس عشرة ومائة والف هجرية وردت الاخبار بوفاة السلطان مصطفى وجلوس السلطان احمد بن محمد خان في سابع عشر ربيع الآخر منها وامر الباشا بقطع سقائف الدكاكين لاجل توسعة الطرق والاسواق ففعل ذلك ثم امر بقطع الارض وتمهيدها فحفروا نحو ذراع او اكثر من الاسواق ففعل ذلك ثم امر بقطع الارض الى ان كشفت الجدران ومكث محمد باشا واليا بمصر خمس سنوات الى ان عزل في شهر رجب سنة ست عشرة ومائة والف
    ومن مآثره تعمير الاربعين الذي بجوار باب قراميدان وانشأ فيه جامعا بخطبة وتكية لفقراء الخلوتية من الاروام واسكنهم بها وانشأ تجاهها مطبخا ودار ضيافة للفقراء وفي علوها مكتبا للاطفال يقرأون فيه القرآن ورتب لهم ما يكفيهم وأنشأ فيما بينها وبين البستان المعروف بالغوري حماما فسيحا مفروشا بالرخام الملون وجدد بستان الغوري وغرس فيه الاشجار ورمم قاعة الغوري التي بالبستان وعمر بجوار المنزل سكن اميراخور وبنى مسطبة عظيمة برسم الباس القفاطين وتسليم المحمل لامير الحاج وارباب المناصب وعمر مسطبة يرمى عليها النشاب وانشأ الحمام البديع بقراميدان ونقل اليه من القلعة حوض رخام صحن قطعة واحدة انزلوه من السبع حدارات وعملوا به فسقيه في وسط المسلخ وعمر بالقرافة مقام سيدي عيسى بن سيدي عبد القادر الجيلاني وجعل به فقراء مجاورين ورتب لهم ما يكفيهم وانشأ صهريجا بداخل القلعة بجوار نوبة الجاويشية ورتب فيها خمسة عشر نفرا يقرأون القرآن كل يوم بعد الشمس وهو الذي تسبب في قتل عبدالرحمن بك حاكم جرجا لحزازة معه من اجل مخدومة اسمعيل باشا وسيأتي تتمة ذلك في خبره عند ذكر ترجمته
    وتولى رامي محمد باشا وكان تولي الوزارة في زمن السلطان مصطفى وانفصل عنها وجعل محافظا بجزيرة قبرص ثم حضر منها واليا على مصر فطلع الى القلعة في يوم الاثنين سادس شعبان سنة ست عشرة ومائة والف
    وفي سبع عشرة تقلد قيطاس بك امارة الحج عوضا عن ايوب بك وفي تلك السنة توقف النيل عن الزيادة فضج لناس وابتهلوا بالدعاء وطلب الاستسقاء واجتمعوا على جبل الجيوشي وغيره من الاماكن المعروفة باجابة الدعاء فاستجاب الله لهم في حادي عشر توت وشذ ذلك من النوازل فروى بعض البلاد وهبط سريعا فحصل الغلاء وبلغ سعر الاردب القمح مائتين واربعين فضة والفول كذلك والعدس مائتي نصف فضة والشعير مائة نصف فضة والارز اربعمائة نصف فضة الاردب وبيع اللحم الضاني كل رطل بثلاثة انصاف فضة والجاموسي والبقري بنصفي فضة والسمن القنطار بستمائة نصف فضة والزيت بثلثمائة وخمسين والدجاجة بثمانية انصاف وعلى هذا فقس والبيض كل ثلاث بيضات بنصف والرطل الشمع الدهن بثمانية انصاف وكثر الشحاذون في الازقة

    { سنة ثمان عشرة ومائة والف هجرية }

    وفي سنة ثمان عشرة ومائة والف هجرية لم يأت من اليمن ولا من الهند مراكب فشح القماش الهندي وغلا البن حتى بلغ القنطار الفين وسبعمائة وخمسين نصفا وغلا الشاش فبيع الفرحات خان بأربعمائة نصف فضة والخنكاري بسبعمائة نصف


    عجائب الآثار في التراجم والأخبار
    المؤلف : عبد الرحمن بن حسن الجبرتي
    مجلة نافذة ثقافية ـ البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 14, 2018 12:33 am