أحداث سنة ثلاث وأربعين وسنة أربع وأربعين

    avatar
    همسات
    Admin

    المساهمات : 1184
    تاريخ التسجيل : 18/02/2015

    أحداث سنة ثلاث وأربعين وسنة أربع وأربعين Empty أحداث سنة ثلاث وأربعين وسنة أربع وأربعين

    مُساهمة من طرف همسات في الأربعاء مايو 01, 2019 10:33 am

    أحداث سنة ثلاث وأربعين وسنة أربع وأربعين Alathe10

    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    أحوال البلاد وأخبار العباد
    أحداث سنة ثلاث وأربعين
    وسنة أربع وأربعين
    أحداث سنة ثلاث وأربعين وسنة أربع وأربعين 1410
    ● [ ثم دخلت سنة ثلاث وأربعين ] ●

    في هذه السنة غزا بسر بن أبي أرطأة الروم وشتا بأرضهم حتى بلغ القسطنطينية فيما زعم الواقدي، وأنكر ذلك قوم من أهل الأخبار وقالوا: لم يشت بسر بأرض الروم قط.
    وفيها مات عمرو بن العاص بمصر يوم الفطر، وكان عمل عليها لعمر أربع سنين، ولعثمان أربع سنين إلا شهرين، ولمعاوية سنتين إلا شهراً.
    وفيها ولى معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص مصر فوليها نحواً من سنتين.
    وفيها مات محمد بن مسلمة بالمدينة في صفر، وصلى عليه مروان بن الحكم، وعمره سبع وسبعون سنة.
    ● [ ذكر مقتل المستورد الخارجي ] ●

    وفيها قتل المستورد بن علفة التيمي تيم الرباب، وقد ذكر سنة اثنتين وأربعين: تحرك الخوارج وبيعتهم له ومخاطبته بأمير المؤمنين.
    فلما كان هذه السنة أخبر المغيرة بن شعبة بأنهم اجتمعوا في منزل حيان ابن ظبيان السلمي واتعدوا للخروج غرة شعبان، فأرسل المغيرة صاحب شرطته، وهو قبيصة بن الدمون، فأحاط بدار حيان هو ومن معه، وإذا عنده معاذ بن جوين ونحو عشرين رجلاً، وثارت امرأته، وهي أم ولد كانت له كارهة، فأخذت سيوفهم فألقتها تحت الفراش، وقاموا ليأخذوا سيوفهم فلم يجدوها فاستسلموا، فانطلق بهم إلى المغيرة فحبسهم بعد أن قررهم فلم يعترفوا بشيء، وذكروا أنهم اجتمعوا لقراءة القرآن، ولم يزالوا في السجن نحو سنة، وسمع إخوانهم فحذروا، وخرج صاحبهم المستورد فنزل الحيرة، واختلف الخوارج إليه، فرآهم حجار بن أبجر، فسألوه أن يكتم عليهم ليلتهم تلك، فقال لهم: سأكتم عليكم الدهر، فخافوه أن يذكر حالهم للمغيرة، فتحولوا إلى دار سليم بن محدوج العبدي، وكان صهراً للمستورد، ولم يذكر حجار من أخبارهم شيئاً.
    وبلغ المغيرة خبرهم وأنهم عازمون على الخروج تلك الأيام، فقام في الناس فحمد الله ثم قال: لقد علمتم أني لم أزل أحب لجماعتهم العافية وأكف عنكم الأذى، وخشيت أن يكون ذلك أدب سوء لسفهائكم، وقد خشيت أن لا نجد بداً من أن يؤخذ الحليم التقي بذنب الجاهل السفيه، فكفوا عنها سفهاءكم قبل أن يشمل البلاء عوامكم، وقد بلغنا أن رجالاً يريدون أن يظهروا في المصر بالشقاق والنفاق والخلاف، وايم الله لا يخرجون في حي من أحياء العرب إلا أهلكتهم وجعلتهم نكالاً لمن بعدهم.
    فقام إليه معقل بن قيس الرياحي فقال: أيها الأمير اعلمنا بهؤلاء القوم، فإن كانوا منا كفيناكهم، وإن كانوا غيرنا أمرت أهل الطاعة فأتاك كل قبيلة بسفهائهم. فقال: ما سمي لي أحد باسمه. فقال معقل: أنا أكفيك قومي فليكفك كل رئيس قومه. فأحضر المغيرة الرؤساء وقال لهم: ليكفني كل رجل منكم قومه وإلا فوالله لا تحولن عما تعرفون إلى ما تنكرون، وعما تحبون إلى ما تكرهون.
    فرجعوا إلى قومهم فناشدوهم الله والإسلام إلا دلوهم على كل من يريد أن يهيج الفتنة، وجاء صعصعة بن صوحان إلى عبد القيس، وكان قد علم بمنزل حيان في دار سليم، ولكنه كره أن يؤخذ من عشيرته على فراقه لأهل الشام وبغضه لرأيهم، وكره مساءة أهل بيت من قومه، فقام فيهم فقال: أيها الناس، إن الله، وله الحمد، لما قسم الفضل خصكم بأحسن القسم فأجبتم إلى دين الله الذي اختاره لنفسه وارتضاه لملائكته ورسله، ثم أقمتم حتى قبض الله رسوله، صلى الله عليه وسلم، ثم اختلف الناس بعده فثبتت طائفة وارتدت طائفة وأدهنت طائفة وتربصت طائفة، فلزمتم دين الله إيماناً به وبرسوله وقاتلتم المرتدين حتى قام الدين وأهلك الله الظالمين، ولم يزل الله يزيدكم بذلك خيراً حتى اختلفت الأمة بينها فقالت طائفة: نريد طلحة والزبير وعائشة، وقالت طائفة: نريد أهل المغرب، وقالت طائفة: نريد عبد الله بن وهب الراسبي، وقلتم أنتم: لا نريد إلا أهل بيت نبينا الذين ابتدأنا الله، عز وجل، من قبلهم بالكرامة تسديداً من الله، عز وجل، لكم وتوفيقاً، فلم تزالوا على الحق لازمين له آخذين به حتى أهلك الله بكم وبمن كان على مثل هديكم الناكثين يوم الجمل، والمارقين يوم النهر؛ وسكت عن ذكر أهل الشام لأن السلطان لهم؛ فلا قوم أعدى لله ولكم ولأهل بيت نبيكم من هذه المارقة الخاطئة الذين فارقوا إمامنا واستحلوا دماءنا وشهدوا علينا بالكفر، فإياكم أن تؤووهم في دوركم أو تكتموا عليهم شيئاً، فإنه لا ينبغي لحي من أحياء العرب أن يكون أعدى لهذه المارقة منكم، وقد ذكر لي أن بعضهم في جانب من الحي، وأنا باحث عن ذلك، فإن يك حقاً تقربت إلى الله بدمائهم، فإن دماءهم حلال! وقال: يا معشر عبد القيس إن ولاتنا هؤلاء أعرف شيء بكم وبرأيكم، فلا تجعلوا لهم عليكم سبيلاً، فإنهم أسرع شيء إليكم وإلى مثلكم. ثم جلس وكل قوم قال: لعنهم الله وبرىء منهم، لا نؤويهم، ولئن علمنا بمكانهم لنطلعنك عليهم، غير سليم بن محدوج فإنه لم يقل شيئاً ورجع كئيباً يكره أن يخرج أصحابه من داره فيلوموه، ويكره أن يؤخذوا في داره فيهلكوا ويهلك معهم.
    وجاء أصحاب المستورد إليه فأعلموه بما قام به المغيرة في الناس وبما قام به رؤوسهم فيهم. فسأل ابن محدوج عما قام به صعصعة في عبد القيس فأخبره، وقال: كرهت أن أعلمكم فتظنوا أنه ثقل علي مكانكم. فقال له: قد أكرمت المثوى وأحسنت، ونحن مرتحلون عنك.
    وبلغ الخبر الذين في محبس المغيرة من الخوارج فقال معاذ بن جوين بن حصين في ذلك:
    ألا أيها الشارون قد حان لامرىءٍ ... شرى نفسه لله أن يترحلا
    أقمتم بدار الخاطئين جهالةً ... وكل امرىءٍ منكم يصاد ليقتلا
    فشدوا على القوم العداة فإنما ... أقامتكم للذبح رأياً مضللا
    ألا فاقصدوا يا قوم للغاية التي ... إذا ذكرت كانت أبر وأعدلا
    فيا ليتني فيكم على ظهر سابحٍ ... شديد القصيرى دارعاً غير أعزلا
    ويا ليتني فيكم أعادي عدوكم ... فيسقيني كأس المنية أولا
    يعز علي أن تخافوا وتطردوا ... ولما أجرد في المحلين منصلا
    ولما يفرق جمعهم كل ماجدٍ ... إذا قلت قد ولى وأدبر أقبلا
    مشيحاً بنصل السيف في حمس الوغى ... يرى الصبر في بعض المواطن أمثلا
    وعز علي أن تصابوا وتنقصوا ... وأصبح ذا بثٍ أسيراً مكبلا
    ولو أنني فيكم وقد قصدوا لكم ... أثرت إذاً بين الفريقين قسطلا
    فيا رب جمعٍ قد فللت وغارةٍ ... شهدت وقرنٍ قد تركت مجدلا
    وأرسل المستورد إلى أصحابه فقال لهم: اخرجوا من هذه القبيلة، واتعدوا سوراء. فخرجوا إليها متقطعين، فاجتمعوا بها ثلاثمائة رجل وساروا إلى الصراة، فسمع المغيرة بن شعبة خبرهم فدعا رؤساء الناس فاستشارهم فيمن يرسله إليهم، فقال له عدي بن حاتم: كلنا لهم عدو ولرأيهم مبغضٍ وبطاعتك مستمسك، فأينا شئت سار إليهم. وقال له معقل بن قيس: إنك لا تبعث إليهم أحداً ممن ترى حولك إلا رأيته سامعاً مطيعاً ولهم مفارقاً ولهلاكهم محباً، ولا أرى أن تبعث إليهم أحداً من الناس أعدى لهم مني، فابعثني إليهم، فأنا أكفيكهم بإذن الله تعالى. فقال: اخرج على اسم الله! فجهز معه ثلاثة آلاف. وقال المغيرة لصاحب شرطته: الصق بمعقل شيعة علي فإنه كان من رؤساء أصحابه، فإذا اجتمعوا استأنس بعضهم ببعض وهم أشد استحلالاً لدماء هذه المارقة وأجرأ عليهم من غيرهم، فقد قاتلوهم قبل هذه المرة. وقال له صعصعة بن صوحان نحواً من قول معقل. فقال له المغيرة: اجلس فإنما أنت خطيب. فأحفظه ذلك.
    وإنما قال له ذلك لأنه بلغه أنه يعيب عثمان بن عفان ويكثر ذكر علي ويفضله، وكان المغيرة دعاه وقال له: إياك أن يبلغني عنك أنك تعيب عثمان، وإياك أن يبلغني أنك تظهر شيئاً من فضل علي، فأنا أعلم بذلك منك، ولكن هذا السلطان قد ظهر وقد أخذنا بإظهار عيبه للناس فنحن ندع شيئاً كثيراً مما أمرنا به ونذكر الشيء الذي لا نجد منه بداً ندفع به هؤلاء القوم عن أنفسنا، فإن كنت ذاكراً فضله فاذكره بينك وبين أصحابك في منازلكم سراً، وأما علانية في المسجد فإن هذا لا يحتمله الخليفة لنا. فكان يقول له: نعم، ثم يبلغه عنه أنه فعل ذلك، فحقد عليه المغيرة فأجابه بهذا الجواب، فقال له صعصعة: وما أنا إلا خطيب فقط! قال: أجل. فقال: والله إني للخطيب الصليب الرئيس، أما والله لو شهدتني يوم الجمل حيث اختلفت القنا فشؤون القنا فشؤون تفرى وهامة تختلى لعلمت أني الليث النهد. فقال: حسبك لعمري لقد أوتيت لساناً فصيحاً.
    وخرج معقل ومعه ثلاثة آلاف فارس نقاوة الشيعة وسار إلى سوراء ولحقه أصحابه.
    وأما الخوارج فإنهم ساروا إلى بهر سير وأرادوا العبور إلى المدينة العتيقة التي فيها منازل كسرى، فمنعهم سماك بن عبيد الأزدي العبسي، وكان عاملاً عليها، فكتب إليه المستورد يدعوه إلى البراءة من عثمان وعلي وأن يتولاه وأصحابه. فقال سماك: بئس الشيخ أنا إذاً! وأعاد الجواب على المستورد يدعوه إلى الجماعة وأن يأخذ له الأمان، فلم يجب وأقام بالمدائن ثلاثة أيام، ثم بلغه مسير معقل إليهم فجمعهم المستورد وقال لهم: إن المغيرة قد بعث إليكم معقل بن قيس وهو من السبئية المفترين الكاذبين، فأشيروا علي برأيكم. فقال بعضهم: خرجنا نريد الله والجهاد وقد جاؤونا فأين نذهب بل نقيم حتى يحكم الله بيننا. وقال بعضهم: بل نتنحى ندعو الناس ونحتج عليهم بالدعاء. فقال لهم: لا أرى أن نقيم حتى يأتونا وهم مستريحون، بل أرى أن نسير بين أيديهم فيخرجوا في طلبنا فينقطعوا ويتبددوا فنلقاهم على تلك الحال.
    فساروا فعبروا بجرجرايا ومضوا إلى أرض جوخى ثم بلغوا المذار فأقاموا بها.
    وبلغ ابن عامر بالبصرة خبرهم فسأل كيف صنع المغيرة فأخبر بفعله، فاستدعى شريك بن الأعور الحارثي، وكان من شيعة علي، فقال له: اخرج إلى هذه المارقة. ففعل. وانتخب معه ثلاثة آلاف فارس من الشيعة، وكان أكثرهم من ربيعة، وسار بهم إلى المذار.
    وأما معقل بن قيس فسار إلى المدائن حتى بلغها، فبلغه رحيلهم فشق ذلك على الناس، فقال لهم معقل: إنهم ساروا لتتبعوهم وتتبددوا وتنقطعوا فتلحقوهم وقد تعبتم، وإنه لا يصيبكم شيء من ذلك إلا وقد أصابهم مثل ذلك. وسار في آثارهم وقدم بين يديه أبا الرواغ الشاكري في ثلاثمائة فارس، فتبعهم أبو الرواغ حتى لحقهم بالمذار، فاستشار أصحابه في قتالهم قبل قدوم معقل، فقال بعضهم: لا تفعل، وقال بعضهم: بل نقاتلهم. فقال لهم: إن معقلاً أمرني أن لا أقاتلهم. فقالوا له: ينبغي أن تكون قريباً منه حتى يأتي معقل، وكان ذلك عند المساء. فباتوا يتحارسون حتى أصبحوا، فلما ارتفع النهار خرجت الخوارج إليهم، وكانوا أيضاً ثلاثمائة، وحملوا عليهم، فانهزم أصحاب أبي الرواغ ساعةً ثم صاح بهم أبو الرواغ: الكرة الكرة! وحمل ومعه أصحابه، فلما دنوا من الخوارج عادوا منهزمين، إلا أنهم لم يقتل منهم أحد، فصاح بهم أبو الرواغ أيضاً: ثكلتككم أمهاتكم! ارجعوا بنا نكن قريباً منهم لا نفارقهم حتى يقدم علينا أميرنا، وما أقبح بنا أن نرجع إلى الجيش منهزمين من عدونا! فقال له بعض أصحابه: إن الله لا يستحي من الحق، قد والله هزمونا. فقال له: لا أكثر الله فينا مثلك، إنا ما لم نفارق العركة فلم نهزم، ومتى عطفنا عليهم وكنا قريباً منهم فنحن على حال حسنة، فقفوا قريباً منهم فإن أتوكم وعجزتم عنهم فتأخروا قليلاً، فإذا حملوا عليكم وعجزتم عن قتالهم فانحازوا على حامية، فإذا رجعوا عنكم فاعطفوا عليهم وكونوا قريباً منهم، فإن الجيش يأتيكم عن ساعة.
    فجعلت الخوارج كلما حملت عليهم انحازوا عنهم، فإذا عاد الخوراج رجع أبو الرواغ في آثارهم، فلم يزالوا كذلك إلى وقت الظهر، فنزل الطائفتان يصلون ثم أقاموا إلى العصر، وكان أهل القرى والسيارة قد أخبروا معقلاً بالتقاء الخوارج وأصحابه، وأن الخوارج تطرد أصحابه بين أيديهم، فإذا رجعوا عاد أصحابه خلفهم. فقال معقل: إن كان ظني في أبي الرواغ صادقاً لا يأتيكم منهزماً أبداً. ثم أسرع السير في سبعمائة من أهل القوة واستخلف محرز بن شهاب التميمي على ضعفة الناس، فلما أشرفوا على أبي الرواغ قال لأصحابه: هذه غبرة فتقدموا بنا إلى عدونا حتى لا يرانا أصحابنا، إنا تنحينا عنهم وهبناهم. فتقدم حتى وقف مقابل الخوارج ولحقهم معقل، فلما دنا منهم غربت الشمس فصلى بأصحابه وصلى أبو الرواغ بأصحابه وصلى الخوارج أيضاً، وقال أبو الرواغ لمعقل: إن لهم شدات منكرات فلا تلها بنفسك ولكن قف وراء الناس تكون ردءاً لهم. فقال: نعم ما رأيت.
    فبينا هو يخاطبه حملت الخوارج عليهم فانهزم عامة أصحاب معقل وثبت هو، فنزل إلى الأرض ومعه أبو الرواغ في نحو مائتي رجل، فلما غشيهم المستورد استقبلوه بالرماح والسيوف، فانهزمت خيل معقل ساعةً، ثم ناداهم مسكين بن عامر، وكان شجاعاً: أين الفرار وقد نزل أميركم، ألا تستحيون؟ ثم رجع ورجعت معه خيل عظيمة ومعقل بن قيس يقاتل الخوارج بمن معه، فلم يزل يقاتلهم حتى ردهم إلى البيوت، ثم لم يلبثوا إلا قليلاً حتى جاءهم محرز بن شهاب فيمن معه، فجعلهم معقل ميمنةً وميسرة وقال لهم: لا تبرحوا حتى تصبحوا ونثور إليهم.
    ووقف الناس بعضهم مقابل بعض، فبينما هم متواقفون أتى الخوارج عينٌ لهم فأخبرهم أن شريك بن الأعور قد أقبل إليهم من البصرة في ثلاثة آلاف. فقال المستورد لأصحابه: لا أرى أن نقيم لهؤلاء جميعاً، ولكني أرى أن نرجع إلى الوجه الذي جئنا منه، فإن أهل البصرة لا يتبعوننا إلى أرض الكوفة فيهون علينا قتال أهل الكوفة. ثم أمرهم بالنزول يريحوا دوابهم ساعةً، ففعلوا، ثم دخلوا القرية وأخذوا منها من دلهم على الطريق الذي أقبلوا منه وعادوا راجعين.
    وأما معقل فإنه بعث من يأتيه بخبرهم حين لم ير سوادهم، فعاد إليه بالخبر أنهم قد ساروا، فخاف أن تكون مكيدة وخاف البيات فاحتاط هو وأصحابه وتحارسوا إلى الصباح، فلما أصبحوا أتاهم من أخبرهم بمسيرهم، وجاء شريك ابن الأعور فيمن معه فلقي معقلاً فتساءلا ساعة وأخبره معقل بخبرهم، فدعا شريك أصحابه إلى المسير مع معقل، فلم يجيبوه، فاعتذر إلى معقل بخلاف أصحابه، وكان صديقاً له يجمعهما رأي الشيعة، ودعا معقل أبا الرواغ وأمره باتباعهم، فقال له: زدني مثل الذين كانوا معي ليكون أقوى لي إن أرادوا مناجزتي. فبعث معه ستمائة فارس، فساروا سراعاً حتى أدركوا الخوارج بجرجرايا وقد نزلوا فنزل بهم أبو الرواغ مع طلوع الشمس، فلما رأوهم قالوا: إن قتال هؤلاء أيسر من قتال من يأتي بعدهم، فحملوا على أبي الرواغ وأصحابه حملة صادقة، فانهزم أصحابه وثبت في مائة فارس، فقاتلهم طويلاً وهو يقول:
    إن الفتى كل الفتى من لم يهل ... إذا الجبان حاد عن وقع الأسل
    قد علمت أني إذا البأس نزل ... أروع يوم الهيج مقدامٌ بطل
    ثم عطف أصحابه من كل جانب فصدقوهم القتال حتى أعادوهم إلى مكانهم، فلما رأى المستورد ذلك علم أنهم إن أتاهم معقل ومن معه هلكوا، فمضى هو وأصحابه فعبروا دجلة ووقفوا في أرض بهرسير وتبعهم أبو الرواغ حتى نزل بهم بساباط، فلما نزل بهم قال المستورد لأصحابه: إن هؤلاء هم حماة أصحاب معقل وفرسانه، ولو علمت أني أسبقهم إليه بساعة لسرت إليه فواقعته. ثم أمر من يسأل عن معقل، فسألوا بعض من على الطريق فأخبروهم أنه نزل ديلمايا وبينهم ثلاثة فراسخ، فلما أخبر المستورد ذلك ركب وركب أصحابه وأقبل حتى انتهى إلى جسر ساباط، وهو جسر نهر ملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة، وأبو الرواغ من جانب المدائن، فقطع المستورد الجسر، ولما رآهم أبو الرواغ قد ركبوا عبى أصحابه وأقبل حتى انتهى إلى جسر ساباط، وهو جسر نهر ملك، وهو من جانبه الذي يلي الكوفة، وأبو الرواغ من جانب المدائن، فقطع المستورد الجسر، ولما رآهم أبو الرواغ قد ركبوا عبى أصحابه واعتزل إلى صحراء بين المدائن وساباط ليكون القتال بها ووقف ينتظرهم، فلما قطع المستورد الجسر سار إلى ديلمايا نحو معقل ليوقع به، فانتهى إليه وأصحابه متفرقون عنه وهو يريد الرحيل وقد تقدم بعض أصحابه، فلما رآهم معقل نصب رايته ونادى: يا عباد الله الأرض الأرض! فنزل معه نحو مائتي رجل، فحملت الخوارج عليهم فاستقبلوهم بالرماح جثاةً على الركب فلم يقدروا عليهم فتركوهم وعدلوا إلى خيولهم فحالوا بينهم وبينها وقطعوا أعنتها، فذهبت في كل جانب، ثم مالوا على المتفرقين من أصحاب معقل ففرقوا بينهم، ثم رجعوا إلى معقل وأصحابه وهم على الركب فحملوا عليهم، فلم يتجلجلوا، فحملوا أخرى فلم يقدروا عليهم، فقال المستورد لأصحابه: لينزل نصفكم ويبقى نصفكم على الخيل. ففعلوا واشتد الحال على أصحاب معقل وأشرفوا على الهلاك.
    فبيما هم كذلك إذ أقبل أبو الرواغ عليهم فيمن معه. وكان سبب عوده إليهم أنه أقام بمكانه ينتظرهم، فلما أبطأوا عليه أرسل من يأتيه بخبرهم، فرأوا الجسر مقطوعاً ففرحوا ظناً منهم أن الخوارج فعلوا ذلك هيبةً لهم، فرجعوا إلى أبي الرواغ فأخبروه أنهم لم يروهم وأن الجسر قد قطعوه هيبةً لهم. فقال لهم أبو الرواغ: لعمري ما فعلوا هذا إلا مكيدةً، وما أراهم إلا وقد سبقوكم إلى معقل حيث رأوا فرسان أصحابه معي، وقد قطعوا الجسر ليشغلوكم به عن لحاقهم، فالنجاء النجاء في الطلب.
    ثم أمر أهل القرية فعقدوا الجسر وعبر عليه واتبع الخوارج، فلقيه أوائل الناس منهزمين، فصاح بهم: إلي إلي! فرجعوا إليه وأخبروه الخبر وأنهم تركوا معقلاً يقاتلهم وما يظنونه إلا قتيلاً. فجد في السير ورد معه كل من لقيه من المنهزمين، فانتهى إلى العسكر فرأى راية معقل منصوبة والناس يقتتلون، فحمل أبو الرواغ ومن معه على الخوارج فأزالوهم غير بعيدٍ، ووصل أبو الرواغ إلى معقل فإذا هو متقدم يحرض أصحابه، فشدوا على الخوارج شدةً منكرة، ونزل المستورد ومن معه من الخوارج ونزل أصحاب معقل أيضاً ثم اقتتلوا طويلاً من النهار بالسيوف أشد قتال.
    ثم إن المستورد نادى معقلاً ليبرز إليه، فبرز إليه، فمنعه أصحابه، فلم يقبل منهم، وكان معه سيفه ومع المستورد رمحه، فقال أصحاب معقل: خذ رمحك. فأبى وأقبل على المستورد، فطعنه المستورد برمحه فخرج السنان من ظهره، وتقدم معقل والرمح فيه إلى المستورد فضربه بالسيف فخالط دماغه فوقع المستورد ميتاً ومات معقل أيضاً.
    وكان معقل قد قال: إن قتلت فأميركم عمرو بن محرز بن شهاب التميمي. فلما قتل أخذ الراية عمرو ثم حمل في الناس على الخوارج فقتلوهم ولم ينج منهم غير خمسة أو ستة.
    وقال ابن الكلبي: كان المستورد من تميم ثم من بني تميم ثم من بني رباح، واحتج بقول جرير:
    ومنا فتى الفتيان والجود معقلٌ ... ومنا الذي لاقى بدجلة معقلا
    يعني هذه الوقعة.
    ● [ ذكر عود عبد الرحمن إلى ولاية سجستان ] ●

    في هذه السنة استعمل عبد الله بن عامر عبد الرحمن بن سمرة على سجستان، فأتاها وعلى شرطته عباد بن الحصين الحبطي ومعه من الأشراف عمرو بن عبيد الله بن معمر وغيره، فكان يغزو البلد قد كفر أهله فيفتحه، حتى بلغ كابل فحصرها أشهراً ونصب عليها مجانيق فثلمت سورها ثلمةً عظيمة، فبات عليها عباد بن الحصين ليلةً يطاعن المشركين حتى أصبح فلم يقدروا على سدها وخرجوا من الغد يقاتلون فهزمهم المسلمون ودخلوا البلد عنوةً، ثم سار إلى بست ففتحها عنوةً، وسار إلى زران فهرب أهلها وغلب عليها، ثم سار إلى خشك فصالحه أهلها، ثم أتى الرخج فقاتلوه فظفر بهم وفتحها، ثم سار إلى زابلستان، وهي غزنة وأعمالها، فقاتله أهلها، وقد كانوا نكثوا، ففتحها، وعاد إلى كابل وقد نكث أهلها ففتحها.
    ● [ ذكر غزوة السند ] ●

    استعمل عبد الله بن عامر على ثغر الهند عبد الله بن سوار العبدي، ويقال ولاه معاوية من قبله، فغزا القيقان فأصاب مغنماً، ووفد على معاوية وأهدى له خيلاً قيقانية، ورجع فغزا القيقان فاستنجدوا بالترك فقتلوه، وفيه يقول الشاعر:
    وابن سوارٍ على عدانه ... موقد النار وقتال الشغب
    وكان كريماً لم يوقد أحد في عسكره ناراً، فرأى ذات ليلة ناراً فقال: ما هذه؟ قالوا: امرأة نفساء يعمل لها الخبيص؛ فأمر أن يطعم الناس الخبيص ثلاثة أيام.
    ● [ ذكر ولاية عبد الله بن خازم خراسان ] ●

    قيل: وفي هذه اسنة عزل عبد الله بن عامر قيس بن الهيثم القيسي ثم السلمي عن خراسان واستعمل عبد الله بن خازم.
    وسبب ذلك أن قيساً أبطأ بالخراج والهدية، فقال عبد الله بن خازم لعبد الله بن عامر: ولني خراسان أكفكها. فكتب له عهده، فبلغ ذلك قيساً فخاف ابن خازم وشغبه فترك خراسان وأقبل: فازداد ابن عامر غضباً لتضييعه الثغر، فضربه وحبسه وبعث رجلاً من يشكر على خراسان، وقيل: بعث أسلم بن زرعة الكلابي ثم ابن خازم.
    وقيل في عزله غير ذلك، وهو أن ابن خازم قال لابن عامر: إنك استعملت على خراسان قيساً وهو ضعيف، وإني أخاف إن لقي حرباً أن ينهزم بالناس فتهلك خراسان وتفضح أخوالك، يعني قيس عيلان. قال ابن عامر: فما الرأي؟ قال: تكتب لي عهداً إن هو انصراف عن عدو قمت مقامه. فكتب له.
    وجاش جماعةٌ من طخارستان فشاوره قيس فأشار عليه ابن خازم أن ينصرف حتى يجتمع إليه أطرافه، فلما سار مرحلة أو اثنتين أخرج ابن خازم عهده وقام بأمر الناس ولقي العدو فهزمهم، وبلغ الخبر الكوفة والبصرة والشام فغضب القيسية وقالوا: خدع قيساً وابن عامر! وشكوا إلى معاوية، فاستقدمه، فاعتذر مما قيل فيه، فقال معاوية: قم غداً فاعتذر في الناس. فرجع إلى أصحابه وقال: إني أمرت بالخطبة ولست بصاحب كلامٍ فاجلسوا حول المنبر فإذا قلت فصدقوني. فقام من الغد فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنما يتكلف الخطبة إمامٌ لا يجد منها بداً أو أحمق يهمر من رأسه، ولست بواحد منهما، وقد علم من عرفني أني بصير بالفرص وثاب إليها، وقاف عند المهالك، أنفذ بالسرية وأقسم بالسوية، أنشد الله من عرف ذلك مني فليصدقني. فقال أصحابه: صدقت. فقال: يا أمير المؤمنين إنك فيمن نشدت فقل بما تعلم. فقال: صدقت.
    ● [ ذكر عدة حوادث ] ●

    وحج هذه السنة مروان بن الحكم وكان على المدينة، وكان على مكة خالد ابن العاص بن هشام؛ وعلى الكوفة المغيرة، وعلى البصرة عبد الله بن عامر.
    فيها مات عبد الله بن سلام، وله صحبة مشهورة، وهو من علماء أهل الكتاب، وشهد له رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالجنة.
    ● ● [ ثم دخلت سنة أربع وأربعين ] ● ●

    في هذه السنة دخل المسلمون مع عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بلاد الروم وشتوا بها، وغزا بسر بن أبي أرطأة في البحر.
    ذكر عزل عبد الله بن عامر عن البصرةوفي هذه السنة عزل عبد الله بن عامر عن البصرة.
    وسببه أن ابن عامر كان حليماً كريماً ليناً، لا يأخذ على أيدي السفهاء، وفسدت البصرة في أيامه فشكا ذلك إلى زياد، فقال له: جرد السيف. فقال له: إني أكره أن أصلحهم بفساد نفسي. ثم إن ابن عامر وفد وفداً من البصرة إلى معاوية فوافقوا عنده وفد الكوفة، وفيهم ابن الكوا، واسمه عبد الله بن أبي أوفى اليشكري، فسألهم معاوية عن أهل العراق وعن أهل البصرة خاصة، فقال ابن الكوا: يا أمير المؤمنين، إن أهل البصرة قد أكلهم سفاؤهم، وضعف عنهم سلطانهم، وعجز ابن عامر وضعفه. فقال له معاوية: تتكلم عن أهل البصرة وهم حضور؟ فلما عاد أهل البصرة ابلغوا ابن عامر، فغضب وقال: أي أهل العراق أشد عداوةً لابن الكوا؟ فقيل: عبد الله بن أبي شيخ اليشكري، فولاه خراسان، فبلغ ذلك ابن الكوا، فقال: إن ابن دجاجة، يعني ابن عامر، قليل العلم في، ظن أن ولاية عبد الله خراسان تسوءني! لوددت أنه لم يبق يشكري إلا عاداني وأنه ولاه.
    وقيل: إن الذي ولاه ابن عامر خراسان طفيل بن عوف اليشكري.
    فلما علم معاوية حال البصرة أراد عزل ابن عامر فأرسل إليه يستزيره، فجاء إليه، فرده على عمله، فلما ودعه قال: إني سائلك ثلاثاً فقل هن لك. فقال: هن لك، وأنا ابن أم حكيم. قال: ترد علي عملي ولا تغضب. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي مالك بعرفة. قال: قد فعلت. قال: وتهب لي دورك بمكة. قال: قد فعلت. قال: وصلتك رحم؟ فقال ابن عامر: يا أمير المؤمنين إني سائلك ثلاثاً فقل هن لك. فقال: هن لك، وأنا ابن هند. قال: ترد علي مالي بعرفة. قال: قد فعلت. قال: ولا تحاسب لي عاملاً ولا تتبع لي أثراً. قال: قد فعلت. قال: وتنكحني ابنتك هنداً. قال: قد فعلت.
    ويقال: إن معاوية قال له: اختر إما أن أتبع أثرك وأحاسبك بما صار وأردك، وإما أن أعزلك وأسوغك ما أصبت. فاختار العزل وأن لا يسوغه ما أصاب، فعزله وولى البصرة الحارث بن عبد الله الأزدي.
    ● [ ذكر استلحاق معاوية زياداً ] ●

    وفي هذه السنة استلحق معاوية زياد بن سمية، فزعموا أن رجلاً من عبد القيس كان مع زياد لما وفد على معاوية، فقال لزياد: إن لابن عامر عندي يداً فإن أذنت لي أتيته. قال: على أن تحدثني بما يجري بينك وبينه. قال: نعم. فأذن له فأتاه، فقال له ابن عامر: هيه هيه! وابن سمية يقبح آثاري ويعرض بعمالي! لقد هممت أن آتي بقسامةٍ من قريش يحلفون بالله أن أبا سفيان لم ير سمية.
    فلما رجع سأله زياد فلم يخبره، فألح عليه حتى أخبره، فأخبر زيادٌ بذلك معاوية. فقال معاوية لحاجبه: إذا جاء ابن عامر فاضرب وجه دابته عن أقصى الأبواب. ففعل ذلك به. فأتى ابن عامر يزيد فشكا ذلك إليه، فركب معه حتى أدخله، فلما نظر إليه معاوية قام فدخل، فقال يزيد لابن عامر: اجلس، فكم عسى أن تقعد في البيت عن مجلسه! فلما أطالا خرج معاوية وهو يتمثل:
    لنا سباقٌ ولكم سباق ... قد علمت ذلكم الرفاق
    ثم قعد فقال: يا ابن عامر أنت القائل في زياد ما قلت؟ أما والله لقد علمت العرب أني كنت أعزها في الجاهلية وأن الإسلام لم يزدني إلا عزاً، وأني لم أتكثر بزياد من قلة ولم أتعزز به من ذلة، ولكن عرفت حقاً له فوضعته موضعه. فقال: يا أمير المؤمنين نرجع إلى ما يحب زياد. قال: إذاً نرجع إلى ما تحب. فخرج ابن عامر إلى زياد فترضاه.
    فلما قدم زياد الكوفة قال: قد جئتكم في أمر ما طلبته إلا لكم. قالوا: ما تشاء؟ قال: تلحقون نسبي بمعاوية. قالوا: أما بشهادة الزور فلا. فأتى البصرة فشهد له رجال.
    هذا جميع ما ذكره أبو جعفر في استلحاق معاوية نسب زياد، ولم يذكر حقيقة الحال في ذلك، إنما ذكر حكايةً جرت بعد استلحاقه، وأنا أذكر سبب ذلك وكيفيته، فإنه من الأمور المشهورة الكبيرة في الإسلام لا ينبغي إهمالها.
    وكان ابتداء حاله أن سمية أم زياد كانت لدهقان زندورد بكسكر، فمرض الدهقان، فدعا الحارث بن كلدة الطبيب الثقفي، فعالجه فبرأ، فوهبه سمية، فولدت عند الحارث أبا بكرة، واسمه نفيعٍ، فلم يقر به، ثم ولدت نافعاً، فلم يقر به أيضاً، فلما نزل أبو بكرة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، حين حصر الطائف قال الحارث لنافع: أنت ولدي. وكان قد زوج سمية من غلام له اسمه عبيد، وهو رومي، فولدت له زياداً.
    وكان أبو سفيان بن حرب سار في الجاهلية إلى الطائف فنزل على خمار يقال له أبو مريم السلولي، وأسلم أبو مريم بعد ذلك وصحب النبي، صلى الله عليه وسلم، فقال أبو سفيان لأبي مريم: قد اشتهيت النساء فالتمس لي بغياً، فقال له: هل لك في سمية؟ فقال: هاتها على طول ثدييها وذفر بطنها. فأتاه بها، فوقع عليها، فعلقت بزياد، ثم وضعته في السنة الأولى من الهجرة، فلما كبر ونشأ استكتبه أبو موسى الأشعري لما ولي البصرة، ثم إن عمر بن الخطاب استكفى زياداً أمراً فقام فيه مقاماً مرضياً، فلما عاد إليه حضر، وعند عمر المهاجرون والأنصار، فخطب خطبةً لم يسمعوا بمثلها. فقال عمرو ابن العاص: لله هذا الغلام لو كان أبوه من قريش لساق العرب بعصاه!فقال أبو سفيان، وهو حاضر: والله إني لأعرف أباه ومن وضعه في رحم أمه. فقال علي: يا أبا سفيان اسكت فإنك لتعلم أن عمر لو سمع هذا القول منك لكان إليك سريعاً.
    فلما ولي علي الخلافة استعمل زياداً على فارس، فضبطها وحمى قلاعها، واتصل الخبر بمعاوية، فساءه ذلك وكتب إلى زياد يتهدده ويعرض له بولادة أبي سفيان إياه، فلما قرأ زياد كتابه قام في الناس وقال: العجب كل العجب من ابن آكلة الأكباد، ورأس النفاق! يخوفني بقصده إياي وبيني وبينه ابنا عم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، في المهاجرين والأنصار؟ أما والله لو أذن لي في لقائه لوجدني أحمز مخشياً ضراباً بالسيف.
    وبلغ ذلك علياً فكتب إليه: إني وليتك ما وليتك وأنا أراك له أهلاً، وقد كانت من أبي سفيان فلتة من أماني الباطل وكذب النفس لا توجب له ميراثاً ولا تحل له نسباً، وإن معاوية يأتي الإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله، فاحذر ثم احذر، والسلام.
    فلما قتل علي، وكان من أمر زياد ومصالحته معاوية ما ذكرناه، واضع زيادٌ مصقلة بن هبيرة الشيباني وضمن له عشرين ألف درهم ليقول لمعاوية: إن زياداً قد أكل فارس براً وبحراً وصالحك على ألفي ألف درهم، والله ما أرى الذي يقال إلا حقاً، فإذا قال لك: وما يقال؟ فقل: يقال إنه ابن أبي سفيان. ففعل مصقلة ذلك، ورأى معاوية أن يستميل زياداً، واستصفى مودته باستلحاقه، فاتفقا على ذلك، وأحضر الناس وحضر من يشهد لزياد، وكان فيمن حضر أبو مريم السلولي، فقال له معاوية: بم يشهد يا أبا مريم؟ فقال: أنا أشهد أن أبا سفيان حضر عندي وطلب مني بغياً فقلت له: ليس عندي إلا سمية، فقال: إيتني بها على قذرها ووضرها، فأتيته بها، فخلا معها ثم خرجت من عنده وإن إسكتيها لتقطران منياً. فقال له زياد: مهلاً أبا مريم! إنما بعثت شاهداً ولم تبعث شاتماً.
    فاستلحقه معاوية، وكان استلحاقه أول ما ردت أحكام الشريعة علانيةً، فإن رسول الله، صلى الله عليه وسلم، قضى بالولد للفراش وللعاهر الحجر.
    وكتب زياد إلى عائشة: من زياد بن أبي سفيان، وهو يريد أن تكتب له: إلى زياد بن أبي سفيان، فيحتج بذلك، فكتبت: من عائشة أم المؤمنين إلى ابنها زياد. وعظم ذلك على المسلمين عامة وعلى بني أمية خاصة، وجرى أقاصيص يطول بذكرها الكتاب فأضربنا عنها.
    ومن اعتذر لمعاوية قال: إنما استلحق معاوية زياداً لأن أنكحة الجاهلية كانت أنواعاً، لا حاجة إلى ذكر جميعها، وكان منها أن الجماعة يجامعون البغي فإذا حملت وولدت ألحقت الولد لمن شاءت منهم فيلحقه، فلما جاء الإسلام حرم هذا النكاح، إلا أنه أقر كل ولد كان ينسب إلى أب من أي نكاح كان من أنكحتهم على نسبه ولم يفرق بين شيء منها، فتوهم معاوية أن ذلك جائز له ولم يفرق بين استلحاق في الجاهلية والإسلام؛ وهذا مردود لاتفاق المسلمين على إنكاره ولأنه لم يستلحق أحد في الإسلام مثله ليكون به حجة.
    قيل: أراد زياد أن يحج بعد أن استلحقه معاوية، فسمع أخوه أبو بكرة، وكان مهاجراً له من حين خالفه في الشهادة بالزنا على المغيرة بن شعبة، فلما سمع بحجه جاء إلى بيته وأخذ ابناً له وقال له: يا بني قل لأبيك إنني سمعت أنك تريد الحج ولابد من قدومك إلى المدينة ولاشك أن تطلب الاجتماع بأم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن أذنت لك فأعظم به خزياً مع رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وإن منعتك فأعظم به فضيحة في الدنيا وتكذيباً لأعدائك. فترك زياد الحج وقال: جزاك الله خيراً فقد أبلغت في النصح.
    ● [ ذكر غزو المهلب السند ] ●

    وفيها غزا المهلب بن أبي صفرة ثغر السند فأتى بنة والأهور، وهما بين الملتان وكابل، فلقيه العدو وقاتله، ولقي المهلب ببلاد القيقان ثماية عشر فارساً من الترك فقاتلوه فقتلوا جميعاً، فقال المهلب: ما جعل هؤلاء الأعاجم أولى بالتشمير منا! فحذف الخيل، وكان أول من حذفها من المسلمين، وفي يوم بنة يقول الأزدي:
    ألم تر أن الأد ليلة بيتوا ... ببنة كانوا خير جيش المهلب؟
    ● [ ذكر عدة حوادث ] ●

    وحج بالناس في هذه السنة معاوية. وفيها عمل مروان بن الحكم المقصورة بالمدينة، وهو أول من عملها بها، وكان معاوية قد عملها بالشام لما ضربه الخارجي. وفيها توفيت أم حبيبة بنت أبي سفيان زوج النبي، صلى الله عليه وسلم. وفيها قتل رفاعة العدوي من عدي رباب، وهو بصري له صحبة.

    أحداث سنة ثلاث وأربعين وسنة أربع وأربعين Fasel10

    مختصر الكامل في التاريخ لابن الأثير
    منتدى نافذة ثقافية - البوابة
    أحداث سنة ثلاث وأربعين وسنة أربع وأربعين E110


      الوقت/التاريخ الآن هو الثلاثاء ديسمبر 10, 2019 5:37 am