أحداث سنة اثنتين وعشرين

    avatar
    همسات
    Admin

    المساهمات : 1184
    تاريخ التسجيل : 18/02/2015

    أحداث سنة اثنتين وعشرين Empty أحداث سنة اثنتين وعشرين

    مُساهمة من طرف همسات في الإثنين أبريل 29, 2019 6:09 pm

    أحداث سنة اثنتين وعشرين Alathe10

    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    أحوال البلاد وأخبار العباد
    أحداث سنة اثنتين وعشرين
    أحداث سنة اثنتين وعشرين 1410
    ● [ ثم دخلت سنة اثنتين وعشرين ] ●

    في هذه السنة افتتحت أذربيجان، وقيل: سنة ثماني عشرة بعد فتح همذان والري وجرجان، فنبدأ بذكر فتح هذه البلاد ثم نذكر أذربيجان بعدها.
    ● [ ذكر فتح همذان ثانياً ] ●

    قد تقدم مسير نعيم بن مقرن إلى همذان وفتحها على يده ويد القعقاع بن عمرو، فلما رجعا عنها كفر أهلها مع خسروشنوم، فلما قدم عهد نعيم من عند عمر ودع حذيفة وسار يريد همذان وعاد حذيفة إلى الكوفة، فخرج نعيم ابن مقرن على تعبية إلى همذان فاستولى على بلادها جميعاً وحاصرها، فلما رأى أهلها ذلك سألوا الصلح ففعل وقبل منهم الجزية. وقد قيل: إن فتحها كان سنة أربع وعشرين بعد مقتل عمر بستة أشهر. فبينما نعيم بهمذان في اثني عشر ألفاً من الجند كاتب الديلم وأهل الري وأذربيجان، إذ خرج موتاً في الديلم حتى نزل بواج روذ، وأقبل الزينبي أبو الفرخان في أهل الري، وأقبل أسفنديار أخو رستم في أهل أذربيجان، فاجتمعوا وتحصن منهم أمراء المسالح وبعثوا إلى نعيم بالخبر، فاستخلف يزيد بن قيس الهمذاني وخرج إليهم، فاقتتلوا بواج روذ قتالاً شديداً، وكانت وقعة عظيمة تعدل بنهاوند، فانهزم الفرس هزيمة قبيحة وقتل منهم مقتلة كبيرة لا يحصون، فأرسلوا إلى عمر مبشراً، فأمر عمر نعيماً بقصد الري وقتال من بها والمقام بها بعد فتحها.
    وقيل: إن المغيرة بن شعبة، وهو عامل على الكوفة، أرسل جرير بن عبد الله إلى همذان، فقاتله أهلها وأصيبت عينه بسهم، فقال: احتسبها عند الله الذي زين بها وجهي ونور لي ما شاء ثم سلبنيها في سبيله. ثم فتحها على مثل صلح نهاوند وغلب على أرضها قسراً. وقيل: كان فتحها على يد المغيرة بنفسه، وكان جرير على مقدمته. وقيل: فتحها قرظة بن كعب الأنصاري.
    ● [ ذكر فتح قزوين وزنجان ] ●

    لما سير المغيرة جريراً إلى همذان ففتحها سير البراء بن عازب في جيش إلى قزوين وأمره أن يسير إليها فإن فتحها الله على يده غزا الديلم منها، وإنما كان مغزاهم قبل من دستبى. فسار البراء حتى أتى أبهر، وهو حصن، فقاتلوه ثم طلبوا الأمان فآمنهم وصالحهم، ثم غزا قزوين، فلما بلغ أهلها الخبر أرسلوا إلى الديلم يطلبونن النصرة فوعدوهم، ووصل المسلمون إليهم فخرجوا لقتالهم والديلم وقوفٌ على الجبل لا يمدون يداً، فلما رأى أهل قزوين ذلك طلبوا الصلح على صلح أبهر؛ وقال بعض المسلمين:
    قد علم الديلم إذ تحارب ... حين أتى في جيشه ابن عازب
    بأن ظن المشركين كاذب ... فكم قطعنا في دجى الغياهب
    من جبلٍ وعرٍ ومن سباسب
    وغزا البراء الديلم حتى أدوا إليه الإتاوة، وغزا جيلان والببر والطيلسان، وفتح زنجان عنوةً. ولما ولي الوليد بن عقبة الكوفة غزا الديلم وأذربيجان وجيلان وموقان والببر والطيلسان ثم انصرف.
    ● [ ذكر فتح الريثم ] ●

    انصرف نعيم من واج روذ حتى قدم الري وخرج الزينبي أبو الفرخان من الري فلقي نعيماً طالباً الصلح ومسالماً له ومخالفاً لملك الري، وهو سياوخش ابن مهران بن بهرام جوبين، فاستمد سياوخش أهل دنباوند وطبرستان وقومس وجرجان فأمدوه خوفاً من المسلمين، فالتقوا مع المسلمين في سفح جبل الري إلى جنب مدينتها، فاقتتلوا به، وكان الزينبي قال لنعيم: إن القوم كثير وأنت في قلة فباعث معي خيلاً أدخل بهم مدينتهم من مدخل لا يشعرون به، وناهدهم أنت فإنهم إذا خرجنا عليهم لم يثبتوا لك. فبعث معه نعيم خيلاً من الليل عليهم ابن أخيه المنذر بن عمرو، فأدخلهم الزينبي المدينة ولا يشعر القوم وبيتهم نعيم بياتاً فشغلهم عن مدينتهم، فاقتتلوا وصبروا له حتى سمعوا التكبير من ورائهم فانهزموا فقتلوا مقتلة عدوا بالقصب فيها، وأفاء الله على المسلمين بالري نحواً مما في المدائن وصالحه الزينبي على الري، ومرزبة عليهم نعيمٌ، فلم يزل شرف الري في أهل الزينبي، وأخرب نعيم مدينتهم، وهي التي يقال لها العتيقة، وأمر الزينبي فبنى مدينة الري الحدثي. وكتب نعيم إلى عمر بالفتح وأنفذ الأخماس، وكان البشير المضارب العجلي، وراسله المصمغان في الصلح على شيء يفتدي به منه على دنباوند، فأجابه إلى ذلك.
    وقد قيل: إن فتح الري كان على يد قرظة بن كعب، وقيل: كان فتحها سنة إحدى وعشرين. وقيل غير ذلك. والله أعلم.
    ● [ ذكر فتح قومس وجرجان وطبرستان ] ●

    لما أرسل نعيم إلى عمر بالبشارة وأخماس الري كتب إليه عمر يأمره بإرسال أخيه سويد بن مقرن ومعه هند بن عمرو الجملي وغيره إلى قومس، فسار سويد نحو قومس، فلم يقم له أحد، فأخذها سلماً وعسكر بها، وكاتبه الذين لجأوا إلى طبرستان منهم والذين أخذوا المفاوز، فأجابهم إلى الصلح والجزية وكتب لهم بذلك. ثم سار سويد إلى جرجان فعكسر بها ببسطام وكتب إلى ملك جرجان، وهو زرنان صول، وكاتبه زرنان صول وصالحه على جرجان على الجزية وكافية حرب جرجان وأن يعينه سويد إن غلب، فأجابه سويد إلى ذلك، وتلقاه زرنان صول قبل دخوله جرجان فدخل معه وعسكر بها حتى جبى الخراج وسمى فروجها فسدها بترك دهستان، ورفع الجزية عمن قام بمنعها وأخذها من الباقين.
    وقيل: كان فتحها سنة ثماني عشرة. وقيل: سنة ثلاثين زمن عثمان.
    قيل: وأرسل الأصبهبذ صاحب طبرستان سويداً في الصلح على أن يتوادعا ويجعل له شيئاً على غير نصر ولا معونة على أحد، فقبل ذلك منه وكتب له كتاباً.
    ● [ ذكر فتح طرابلس الغرب وبرقة ] ●

    في هذه السنة سار عمرو بن العاص من مصر إلى برقة فصالحه أهلها على الجزية وأن يبيعوا من أبنائهم من أرادوا بيعه. فلما فرغ من برقة سار إلى طرابلس الغرب فحاصرها شهراً فلم يظفر بها، وكان قد نزل شرقيها، فخرج رجل من بني مدلج يتصد في سبعة نفر وسلكوا غرب المدينة، فلما رجعوا اشتد عليهم الحر فأخذوا على جانب البحر، ولم يكن السور متصلاً بالبحر، وكانت سفن الروم في مرساها مقابل بيوتهم، فرأى المدلجي وأصحابه مسلكاً بين البحر والبلد فدخلوا منه وكبروا، فلم يكن للروم ملجأ إلا سفنهم لأنهم ظنوا أن المسلمين قد دخلوا البلد، ونظر عمرو ومن معه فرأى السيوف في المدينة وسمعوا الصياح، فأقبل بجيشه حتى دخل عليهم البلد، فلم يفلت الروم إلا بما خف معهم في مراكبهم.
    وكان أهل حصن سبرة قد تحصنوا لما نزل عمرو على طرابلس، فلما امتنعوا عليه بطرابلس أمنوا واطمأنوا، فلما فتحت طرابلس جند عمرو عسكراً كثيفاً وسيره إلى سبرة، فصبحوها وقد فتح أهلها الباب وأخرجوا مواشيهم لتسرح لأنهم لم يكن بلغهم خبر طرابلس، فوقع المسلمون عليهم ودخلوا البلد مكابرةً وغنموا ما فيه وعادوا إلى عمرو. ثم سار عمرو بن العاص إلى برقة وبها لواتة، وهم من البربر.
    وكان سبب مسير البربر إليها وإلى غيرها من الغرب أنهم كانوا بنواحي فلسطين من الشام وكان ملكهم جالوت، فلما قتل سارت البرابر وطلبوا الغرب حتى إذا انتهوا إلى لوبية ومراقية، وهما كورتان من كور مصر الغربية، تفرقوا فسارت زناتة ومغيلة، وهما قبيلتان من البربر، إلى الغرب فسكنوا الجبال، وسكنت لواتة أرض برقة، وتعرف قديماً بأنطابلس، وانتشروا فيها حتى بلغوا السوس، ونزلت هوارة مدينة لبدة، ونزلت نفوسة إلى مدينة سبرة وجلا من كان بها من الروم لذلك، وقام الأفارق، وهم خدم الروم، على صلح يؤدونه إلى من غلب على بلادهم. وسار عمرو بن العاص، كما ذكرنا، فصالحه أهلها على ثلاثة عشر ألف دينار يؤدونها جزيةً وشرطوا أن يبيعوا من أرادوا من أولادهم في جزيتهم.
    ● [ ذكر فتح أذربيجان ] ●

    قال: فلما افتتح نعيم الري بعث سماك بن خرشة الأنصاري - وليس بأبي دجانة - ممداً لبكير بن عبد الله بأذربيجان، أمره عمر بذلك، فسار سماك نحو بكير، وكان بكير حيث بعث إليها سار حتى إذا طلع بجبال جرميذان طلع عليهم اسفنديار بن فرخزاذ مهزوماً من واجٍ روذ، فكان أول قتال لقيه بأذربيجان، فاقتتلوا، فهزم الفرس وأخذ بكير اسفنديار أسيراً. فقال له اسفنديار: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ قال: بل الصلح. قال: أمسكني عندك فإن أهل أذربيجان إن لم أصالح عليهم أو أجىء إليهم لم يقوموا لك وجلوا إلى الجبال التي حولها، ومن كان على التحصن تحصن إلى يوم ما. فأمسكه عنده، وصارت البلاد إليه إلا ما كان من حصن. وقدم عليه سماك بن خرشة ممداً واسفنديار في إساره وقد افتتح ما يليه، وافتتح عتبة بن فرقد ما يليه.
    وكتب بكير إلى عمر يستأذنه في التقدم، فأذن له أن يتقدم نحو الباب، وأن يستخلف على ما افتتحه، فاستخلف عليه عتبة بن فرقد، فأقر عتبة سماك بن خرشة على عمل بكير الذي كان افتتحه، وجمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد.
    وكان بهرام بن فرخزاذ قصد طريق عتبة وأقام به في عسكره حتى قدم عليه عتبة، فاقتتلوا، فانهزم بهرام، فلما بلغ خبره اسفنديار وهو في الأسر عند بكير قال: الآن تم الصلح وطفئت الحرب. فصالحه وأجاب إلى ذلك أهل أذربيجان كلهم، وعادت أذربيجان سلماً. وكتب بذلك بكير وعتبة إلى عمر وبعثا بما خمسا. ولما جمع عمر لعتبة عمل بكير كتب لأهل أذربيجان كتاباً بالصلح.
    وفيها قدم عتبة على عمر بالخبيص الذي كان أهدي له.
    وكان عمر يأخذ عماله بموافاة الموسم كل سنة يمنعهم بذلك عن الظلم.
    ● [ ذكر فتح الباب ] ●

    في هذه السنة كان فتح الباب، وكان عمر رد أبا موسى إلى البصرة وبعث سراقة بن عمرو، وكان يدعى ذا النور، إلى الباب، وجعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، وكان أيضاً يدعى ذا النور، وجعل على إحدى مجنبتيه حذيفة بن أسيد الغفاري، وعلى الأخرى بكير بن عبد الله الليثي، وكان بكير سبقه إلى الباب. وجعل على المقاسم سلمان بن ربيعة الباهلي. فسار سراقة، فلما خرج من أذربيجان قدم بكير إلى الباب، وكان عمر قد أمد سراقة بحبيب بن مسلمة من الجزيرة وجعل مكانه زياد بن حنظلة. ولما أطل عبد الرحمن بن ربيعة على الباب، والملك بها يومئذ شهريار، وهو من ولد شهريار الذي أفسد بني إسرائيل وأغزى الشام بهم، فكاتبه شهريار واستأمنه على أن يأتيه، ففعل، فأتاه فقال: إني بإزاء عدو كلب وأمم مختلفة ليست لهم أحساب ولا ينبغي لذي الحسب والعقل أن يعينهم على ذي الحسب ولست من البقبج ولا الأرمن في شيء، وإنكم قد غلبتم على بلادي وأمتي فأنا منكم ويدي مع أيديكم وجزيتي إليكم والنصر لكم والقيام بما تحبون فلا تسوموننا الجزية فتوهنونا بعدوكم.
    قال: فسيره عبد الرحمن إلى سراقة، فلقيه بمثل ذلك، فقبل منه سراقة ذلك، وقال: لابد من الجزية ممن يقيم ولا يحارب العدو. فأجابه إلى ذلك. وكتب سراقة في ذلك إلى عمر فأجازه عمرو واستحسنه.
    ● [ ذكر فتح موقان ] ●

    لما فرغ سراقة من الباب أرسل بكير بن عبد الله وحبيب بن مسلمة وحذيفة ابن أسيد وسلمان بن ربيعة إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية، فوجه بكيراً إلى موقان، وحبيباً إلى تفليس، وحذيفة إلى جبال اللان، وسلمان إلى الوجه الآخر. وكتب سراقة بالفتح إلى عمر وبإرسال هؤلاء النفر إلى الجهات المذكورة، فأتى عمر أمرٌ لم يظن أن يستتم له بغير مؤونة لأنه فرج عظيم وجند عظيم، فلما استوسقوا واستحلوا الإسلام وعدله مات سراقة، واستخلف عبد الرحمن بن ربيعة. ولم يفتتح أحد من أولئك القواد إلا بكير فإنه فض أهل موقان ثم تراجعوا على الجزية عن كل حالم دينار.
    وكان فتحها سنة إحدى وعشرين. ولما بلغ عمر موت سراقة واستخلافه عبد الرحمن بن ربيعة أقر عبد الرحمن على فرج الباب وأمره بغزو الترك.
    أسيد في هذه التراجم بفتح الهمزة وكسر السين. والنور في الموضعين بالراء.
    ذكر غزو التركلما أمر عمر عبد الرحمن بن ربيعة بغزو الترك خرج بالناس حتى قطع الباب. فقال له شهريار: ما تريد أن تصنع؟ قال: أريد غزو بلنجر والترك. قال: إنا لنرضى منهم أن يدعونا من دون الباب. قال عبد الرحمن: لكنا لا نرضى حتى نغزوهم في ديارهم، وبالله إن معنا أقواماً لو يأذن لهم أميرنا في الإمعان لبلغت بهم الروم. قال: وما هم؟ قال: اقوام صحبوا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ودخلوا في هذا الأمر بنية، ولا يزال هذا الأمر لهم دائماً ولا يزال النصر معهم حتى يغيرهم من يغلبهم وحتى يلفتوا عن حالهم. فغزا بلنجر غزاة في زمن عمر فقالوا: ما اجترأ علينا إلا ومعه الملائكة تمنعهم من الموت، فهربوا منه وتحصنوا، فرجع بالغنيمة والظفر، وقد بلغت خيله البيضاء على رأس مائتي فرسخ من بلنجر، وعادوا ولم يقتل منهم أحد.
    ثم غزاهم أيام عثمان بن عفان غزوات فظفر كما كان يظفر، حتى تبدل أهل الكوفة لاستعمال عثمان من كان ارتد استصلاحاً لهم فزادهم فساداً، فغزا عبد الرحمن بن ربيعة بعد ذلك فتذامرت الترك واجتمعوا في الغياض فرمى رجلٌ منهم رجلاً من المسلمين على غرة فقتله وهرب عنه أصحابه، فخرجوا عليه عند ذلك فاقتتلوا واشتد قتالهم ونادى منادٍ من الجو: صبراً عبد الرحمن وموعدكم الجنة! فقاتل عبد الرحمن حتى قتل وانكشف أصحابه وأخذ الراية سلمان بن ربيعة أخوه فقاتل بها، ونادى منادٍ من الجو: صبراً آل سلمان! فقال سلمان: أو ترى جزعاً؟ وخرج سلمان بالناس معه أبو هريرة الدوسي على جيلان فقطعوها إلى جرجان، ولم يمنعهم ذلك من إنجاء جسد عبد الرحمن، فهم يستسقون به إلى الآن.
    ● [ ذكر تعديل الفتوح بين أهل الكوفة والبصرة ] ●

    في هذه السنة عدل عمر فتوح أهل الكوفة والبصرة بينهم.
    وسبب ذلك أن عمر بن سراقة كتب إلى عمر بن الخطاب يذكر له كرة أهل البصرة وعجز خراجهم عنهم، وسأله أن يزيدهم أحد الماهين أو ماسبذان، وبلغ أهل الكوفة ذلك وقالوا لعمار بن ياسر، وكان على الكوفة أميراً سنة وبعض أخرى: اكتب إلى عمر أن رامهرمز وإيذج لنا دونهم لم يعينونا عليهما ولم يلحقونا حتى افتتحناهما، فلم يفعل عمار، فقال له عطارد: أيها العبد الأجدع فعلام تدع فيئنا؟ فقال: لقد سببت أحب أذني إليذ فأبغضوه لذلك. واختصم أهل الكوفة وأهل البصرة، وادعى أهل البصرة قرى افتتحها أبو موسى دون أصبهان أيام أمد به عمر بن الخطاب أهل الكوفة. فقال لهم أهل الكوفة: أتيتمونا مدداً وقد افتتحنا البلاد فأنشبناكم في المغانم، والذمة ذمتنا والأرض أرضنا. فقال عمر: صدقوا. فقال أهل الأيام والقادسية ممن سكن البصرة: فلتعطونا نصيبنا مما نحن شركاؤهم فيه من سوادهم وحواشيهم. فأعطاهم عمر مائة دينار برضا أهل الكوفة أخذها من شهد الأيام والقادسية.
    ولما ولي معاوية، وكان هو الذي جند قنسرين من أتاه من أهل العراقين أيام علي، وإنما كان قنسرين رستاقاً من رساتيق حمص، فأخذ لهم معاوية حين ولي بنصيبهم ومن فتوح العراق وأذربيجان والموصل والباب لأنه من فتوح أهل الكوفة. وكان أهل الجزيرة والموصل يومئذ ناقلة، انتقل إليها كل من نزل بهجرته من أهل البلدين أيام علي، فأعطاهم معاوية من ذلك نصيباً.
    وكفر أهل أرمينية أيام معاوية، وقد أمر حبيب بن مسلمة على الباب، وحبيب يومئذ بجرزان، وكات أهل تفليس وتلك الجبال من جرزان فاستجابوا له.
    ● [ ذكر عزل عمار بن ياسر عن الكوفة ] ●
    وولاية أبي موسى والمغيرة بن شعبة

    وفيها عمل عمر بن الخطاب عمار بن ياسر عن الكوفة واستعمل أبا موسى. وسبب ذلك أن أهل الكوفة شكوه وقالوا له: إنه لا يحتمل ما هو فيه وإنه ليس بأمين، ونزا به أهل الكوفة. فدعاه عمر، فخرج معه وفدٌ يريد أنهم معه، فكانوا أشد عليه ممن تخلف عنه، وقالوا: إنه غير كافٍ وعالم بالسياسة ولا يدري على ما استعملته. وكان منهم سعد بن مسعود الثقفي، عم المختار، وجرير بن عبد الله، فسعيا به، فعزله عمر. وقال عمر لعمار: أساءك العزل؟ قال: ما سرني حين استعملت ولقد ساءني حين عزلت. فقال له: قد علمت ما أنت بصاحب عمل ولكني تأولت: (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمةً ونجعلهم الوارثين) القصص: 5.
    ثم أقبل عمر على أهل الكوفة فقال: من تريدون؟ قالوا: أبا موسى. فأمره عليهم بعد عمار. فأقام عليهم سنة فباع غلامه العلف، فشكاه الوليد ابن عبد شمس وجماعة معه وقالوا: إن غلامه يتجر في جسرنا، فعزله عنهم وصرفه إلى البصرة. وصرف عمر ابن سراقة إلى الجزيرة.
    وخلا عمر في ناحية المسجد فنام، فأتاه المغيرة بن شعبة فحرسه حتى استيقظ، فقال: ما فعلت هذا يا أمير المؤمنين إلا من عظيم. فقال: وأي شيء أعظم من مائة ألف لا يرضون عن أمير ولا يرضى عنهم أمير؟ وأحيطت الكوفة حين اختطت على مائة ألف مقاتل. وأتاه أصحابه فقالوا: ما شأنك؟ فقال: إن أهل الكوفة قد عضلوني. واستشارهم فيمن يوليه. وقال: ما تقولون في تولية رجل ضعيف مسلم أو رجل قوي مسدد؟ فقال المغيرة: أما الضعيف المسلم فإن إسلامه لنفسه وضعفه عليك، وأما القوي المسدد فإن سداده لنفسه وقوته للمسلمين. فولى المغيرة الكوفة، فبقي عليها حتى مات عمر، وذلك نحو سنتين وزيادة. وقال له حين بعثه: يا مغيرة ليأمنك الأبرار وليخفك الفجار. ثم أراد عمر أن يبعث سعداً على عمل المغيرة فقتل عمر قبل ذلك فأوصى به.
    ● [ ذكر فتح خراسان ] ●

    وفي هذه السنة غزا الأحنف بن قيس خراسان، في قول بعضهم. وقيل: سنة ثماني عشرة.
    وسبب ذلك أن يزدجرد لما سار إلى الري بعد هزيمة أهل جلولاء وانتهى إليها وعليها أبان جاذويه وثب عليه فأخذه. فقال يزدجرد: يا أبان تغدرني! قال: لا ولكن قد تركت ملكك فصار في يد غيرك فأحببت أن أكتتب على ما كان لي من شيء. وأخذ خاتم يزدجرد واكتتب الصكاك وسجل السلاجت بكل ما أعجبه ثم ختم عليها ورد الخاتم، ثم أتى بعد سعداً فرد عليه كل شيء في كتابه.
    وسار يزدجرد من الري إلى أصبهان، ثم منها إلى كرمان والنار معه، ثم قصد خراسان فأتى مرو فنزلها وبنى للنار بيتاً واطمأن وأمن من أن يؤتى، ودان له من بقي من الأعاجم. وكاتب الهرمزان وأثار أهل فارس، فنكثوا، وأثار أهل الجبال والفيرزان، فنكثوا، فأذن عمر للمسلمين فدخلوا بلاد الفرس، فسار الأحنف إلى خراسان فدخلها من الطبسين فافتتح هراة عنوةً واستخلف عليها صحار بن فلان العبدي، ثم سار نحو مرو الشاهجان فأرسل إلى نيسابور مطرف ابن عبد الله بن الشخير وإلى سرخس الحرث بن حسان، فلما دنا الأحنف من مرو الشاهجان خرج منها يزدجرد إلى مرو الروذ حتى نزلها، ونزل الأحنف مرو الشاهجان، وكتب يزدجرد، وهو بمر الروذ، إلى خاقان وغلى ملك الصغد وإلى ملك الصين يستمدهم. وخرج الأحنف من مرو الشاهجان واستخلف عليها حارثة بن النعمان الباهلي بعد ما لحقت به أمداد أهل الكوفة، وسار نحو مرو الروذ.
    فلما سمع يزدجرد سار عنها إلى بلخ ونزل الأحنف مرو الروذ. وقدم أهل الكوفة إلى يزدجرد واتبعهم الأحنف، فالتقى أهل الكوفة ويزدجرد ببلخ، فانهزم يزدجرد وعبر النهر ولحق الأحنف بأهل الكوفة، وقد فتح الله عليهم؛ فبلخ من فتوحهم.
    وتتابع أهل خراسان من هرب وشذ على الصلح فيما بين نيسابور إلى طخارستان، وعاد الأحنف إلى مرو الروذ فنزلها، واستخلف على طخارستان ربعي بن عامر، وكتب الأحنف إلى عمر بالفتح فقال عمر: وددت أن بيننا وبينها بحراً من نار. فقال علي: ولم يا أمير المؤمنين؟ قال: لأن أهلها سينفضون منها ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة، فكان ذلك بأهلها أحب إلي من أن يكون بالمسلمين.
    وكتب عمر إلى الأحنف أن يقتصر على ما دون النهر ولا يجوزه.
    ولما عبر يزدجرد النهر مهزوماً أنجده خاقان في الترك وأهل فرغانة والصغد، فرجع يزدجرد وخاقان إلى خراسان فنزلا بلخ، ورجع أهل الكوفة إلى الأحنف بمرو الروذ، ونزل المشركون عليه بمرو أيضاً.
    وكان الأحنف لما بلغه خبر عبور يزدجرد وخاقان النهر إليه خرج ليلاً يتسمع هل يسمع برأي ينتفع به، فمر برجلين ينقيان علفاً وأحدهما يقول لصاحبه: لو أسندنا الأمير إلى هذا الجبل فكان النهر بيننا وبين عدونا خندقاً وكان الجبل في ظهورنا فلا يأتونا من خلفنا وكان قتالنا من وجه واحد رجوت أن ينصرنا الله. فرجع، فلما أصبح جمع الناس ورحل بهم إلى سفح الجبل، وكان معه من أهل البصرة عشرة آلاف ومن أهل الكوفة نحو منهم، وأقبلت الترك ومن معها فنزلت وجعلوا يغادرونهم القتال ويراوحونهم وفي الليل يتنحون عنهم.
    فخرج الأحنف ليلةً طليعةً لأصحابه حتى إذا كان قريباً من عسكر خاقان وقف، فلما كان وجه الصبح خرج فارس من الترك بطوقه فضرب بطبله ثم وقف من العسكر موقفاً يقفه مثله، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه الأحنف فقتله وأخذ طوق التركي ووقف، فخرج آخر من الترك ففعل فعل صاحبه، فحمل عليه الأحنف فتقاتلا فطعنه فقتله وأخذ طوقه ووقف، ثم خرج الثالث من الترك ففعل فعل الرجلين، فحمل عليه الأحنف فقتله، ثم انصرف الأحنف إلى عسكره.
    وكانت عادة الترك أنهم لا يخرجون حتى يخرج ثلاثة من فرسانهم أكفاء كلهم يضرب بطبله ثم يخرجون بعد خروج الثالث. فلما خرجوا تلك الليلة بعد الثالث فأتوا على فرسانهم مقتلين تشاءم خاقان وتطير فقال: قد طال مقامنا وقد أصيب فرساننا، ما لنا في قتال هؤلاء القوم خير؛ فرجعوا. وارتفع النهار للمسلمين ولم يروا منهم أحداً، وأتاهم الخبر بانصراف خاقان والترك إلى بلخ، وقد كان يزدجرد ترك خاقان مقابل المسلمين بمرو الروذ وانصرف إلى مرو الشاهجان، فتحصن حارثة بن النعمان ومن معه، فحصرهم واستخرج خزائنه من موضعها وخاقان مقيم ببلخ. فقال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم ودعوهم.
    فلما جمع يزدجرد خزائنه، وكانت كبيرة عظيمة، وأراد أن يلحق بخاقان قال له أهل فارس: أي شيء تريد أن تصنع؟ قال: أريد اللحاق بخاقان فأكون معه أو بالصين. قالوا له: إن هذا رأي سوء، ارجعبنا إلى هؤلاء القوم فنصالحهم فإنهم أوفياء وهم أهل دين، وإن عدواً يلينا في بلادنا أحب إلينا مملكة من عدو يلينا في بلاده ولا دين لهم ولا ندري ما وفاؤهم. فأبى عليهم. فقالوا: دع خزائننا نردها إلى بلادنا ومن يلينا لا تخرجها من بلادنا. فأبى، فاعتزلوه وقاتلوه فهزموه وأخذوا الخزائن واستولوا عليها وانهزم منهم ولحق بخاقان وعبر النهر من بلخ إلى فرغانة، وأقام يزدجرد ببلد الترك، فلم يزل مقيماً زمن عمر كله إلى أن كفر أهل خراسان زمن عثمان وكان يكاتبهم ويكاتبونه. وسيرد ذكر ذلك في موضعه.
    ثم أقبل أهل فارس بعد رحيل يزدجرد على الأحنف فصالحوه ودفعوا إليه تلك الخزائن والأموال وتراجعوا إلى بلدانهم وأموالهم على أفضل ما كانوا عليه زمن الأكاسرة، واغتبطوا بملك المسلمين. وأصاب الفارس يوم يزدجرد كسهمه يوم القادسية. وسار الأحنف إلى بلخ فنزلها بعد عبور خاقان النهر منها ونزل أهل الكوفة في كورها الأربع. ثم رجع إلى مرو الروذ فنزلها وكتب بفتح خاقان ويزدجرد إلى عمر.
    ولما عبر خاقان ويزدجرد النهر لقيا رسول يزدجرد الذي أرسله إلى ملك الصين فأخبرهما أن ملك الصين قال له: صف لي هؤلاء القوم الذين أخرجوكم من بلادكم فإني أراك تذكر قلةً منهم وكثرة منكم ولا يبلغ أمثال هؤلاء القليل منكم مع كثرتكم إلا بخير عندهم وشر فيكم. فقلت: سلني عما أحببت. فقال: أيوفون بالعهد؟ قلت: نعم. قال: وما يقولون لكم قبل القتال. قال قلت: يدعوننا إلى واحدة من ثلاث: إما دينهم، فإن أجبنا أجرونا مجراهم، أو الجزية والمنعة، أو المنابذة.؟ قال: فكيف طاعتهم أمراءهم؟ قلت: أطوع قوم وأرشدهم. قال: فما يحلون وما يحرمون؟ فأخبرته. قال: هل يحلون ما حرم عليهم أو يحرمون ما حلل لهم؟ قلت: لا. قال: فإن هؤلاء القوم لا يزالون على ظفر حتى يحلوا حرامهم أو يحرموا حلالهم. ثم قال: أخبرني عن لباسهم؟ فأخبرته، وعن مطاياهم؟ فقلت: الخيل العراب، ووصفتها له. فقال: نعمت الحصون! ووصفت له الإبل وبروكها وقيامها بحملها. فقال: هذه صفة دواب طوال الأعناق. وكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجند أوله بمرو وآخره بالصين الجهالة بما يحق علي، ولكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك لو يحاولون الجبال لهدوها ولو خلا لهم سربهم أزالوني ما داموا على ما وصف، فسالمهم وارض منهم بالمساكنة ولا تهيجهم ما لم يهيجوك. فأقام يزدجرد بفرغانة ومعه آل كسرى بعهد من خاقان.
    ولما وصل خبر الفتح إلى عمر بن الخطاب جمع الناس، وخطبهم وقرأ عليهم كتاب الفتح وحمد الله في خطبته على إنجاز وعده ثم قال: ألا وإن ملك المجوسية قد هلك فليسوا يملكون من بلادهم شبراً يضر بمسلم. ألا وإن الله قد أورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأبناءهم لينظر كيف تعملون، فلا تبدلوا فيستبدل الله بكم غيركم، فإني لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم.
    وقيل: إن فتح خراسان كان زمن عثمان، وسيرد هناك.
    ● [ ذكر فتح شهرزور والصامغان ] ●

    لما استعمل عمر عزرة بن قيس على حلوان حاول فتح شهرزور، فلم يقدر عليها، فغزاها عتبة بن فرقد ففتحها بعد قتال على مثل صلح حلوان، فكانت العقارب تصيب الرجل من المسلمين فيموت. وصالح أهل الصامغان وداراباذ على الجزية والخراج على أن لا يقتلوا ولا يسبوا ولا يمنعوا طريقاً يسلكونه، وقتل خلقاً كثيراً من الأكراد. وكتب إلى عمر: إن فتحوحي قد بلغت أذربيجان. فولاه إياها وولى هرثمة بن عرفجة الموصل. ولم تزل شهرزور وأعمالها مضمومة إلى الموصل حتى أفردت عنها آخر خلافة الرشيد.
    ● [ ذكر عدة حوادث ] ●

    في هذه السنة غزا معاوية بلاد الروم ودخلها في عشرة آلاف فارس من المسلمين.
    وفيها ولد يزيد بن معاوية وعبد الملك بن مروان.
    وحج بالناس في هذه السنة عمر بن الخطاب؛ وكان عماله على الأمصار فيها عمالة في السنة قبلها إلا الكوفة، فإن عامله كان عليها المغيرة بن شعبة، وإلا البصرة فإن عامله عليها صار أبا موسى الأشعري.

    أحداث سنة اثنتين وعشرين Fasel10

    مختصر الكامل في التاريخ لابن الأثير
    منتدى نافذة ثقافية - البوابة
    أحداث سنة اثنتين وعشرين E110


      الوقت/التاريخ الآن هو السبت أكتوبر 19, 2019 6:28 am