من ذكر اللبان الى ذكر الأمير قرطي

    شاطر

    همسات
    Admin

    المساهمات : 1036
    تاريخ التسجيل : 18/02/2015

    من ذكر اللبان الى ذكر الأمير قرطي

    مُساهمة من طرف همسات في الجمعة يناير 11, 2019 4:38 pm


    بّسم اللّه الرّحمن الرّحيم
    رحلة إبن بطوطة
    الجزء الثانى
    من ذكر اللبان الى ذكر الأمير قرطي

    ● [ ذكر اللبان ] ●

    وشجرة اللبان صغيرة تكون بقدر قامة الإنسان إلى ما دون ذلك، وأغصانها كأغصان الخرشف، وأوراقها صغار رقاق، وربما سقطت فبقيت الشجرة منها دون ورقة. واللبان صمغية تكون في أغصانها. وهي في بلاد المسلمين أكثر منها في بلاد الكفار.
    ● [ ذكر الكافور ] ●

    وأما شجرة الكافور فهي قصب كقصب بلادنا، إلا أن الأنابيب منها أطول وأغلظ. ويكون الكافور داخل الأنابيب، فإذا كسرت القصبة وجد في داخل الأنبوب مثل شكله من الكافور. والسر العجيب فيه أنه لا يتكون في تلك القصب، حتى يذبح عند أصولها شيء من الحيوان، وإلا لم يتكون شيء منه. والطيب المتناهي في البرودة الذي يقتل منه وزن الدرهم، بتجميد الروح، وهو المسمى عندهم بالحردالة، وهو الذي يذبح عند قصبه الآدمي، ويقوم مقام الآدمي في ذلك الفيلة الصغار.
    ● [ ذكر العود الهندي ] ●

    وأما العود الهندي فشجره يشبه شجر البلوط، إلا أن قشره رقيق، وأوراقه كأوراق البلوط سواء، ولا ثمر له. وشجرته لا تعظم كل العظم، وعروقه طويلة، وفيها الرائحة العطرة. وأما عيدان شجرته وورقها، فلا عطرية فيها. وكل ما ببلاد المسلمين من شجره فهو متملك. وأما الذي في بلاد الكفار فأكثره غير متملك. والمتملك منه ما كان بقاقلة، وهو أطيب العود. وكذلك القماري هو أطيب أنواع العود، ويبيعونه لأهل الجاوة بالأثواب. ومن القماري صنف يطبع عليه الشمع. وأما العطاس فإنه يقطع العرق منه، ويدفن في التراب أشهراً، فتبقى فيه قوته، وهو من أعجب أنواعه.
    ● [ ذكر القرنفل ] ●

    وأما أشجار القرنفل فهي عادية ضخمة، وهي ببلاد الكفار أكثر منها ببلاد الإسلام، وليست بمتملكة لكثرتها. والمجلوب إلى بلادنا منها هو العيدان، والذي يسميه أهل بلادنا نوار القرنفل، هو الذي يسقط من زهره، وهو شبيه بزهر النارنج. وثمر القرنفل هو جوز بوا المعروفة في بلادنا بجوزة الطيب، والزهر المتكون فيها هو البسباسة، رأيت ذلك كله وشاهدته. ووصلنا إلى مرسى قاقلة، فوجدناه به جملة من الجنوك معد للسرقة. ولمن يستعصي عليهم من الجنوك، فإن لهم على كل جنك وظيفة. ثم نزلنا من الجنك إلى مدينة قاقلة " وهي بقافين آخرها مضموم ولامها مفتوح "، وهي مدينة حسنة، عليها سور من حجارة منحوتة، عرضه بحيث تسير فيه ثلاثة من الفيلة. وأول ما رأيت بخارجها الفيلة عليها الأحمال من العود الهندي يوقدونه في بيوتهم، وهو بقيمة الحطب عندنا أو أرخص ثمناً، هذا إذا ابتاعوا فيما بينهم. وأما للتجار فيبيعون الحمل منه بثوب من ثياب القطن، وهي أغلى عندهم من ثياب الحرير. والفيلة بها كثيرة جداً، عليها يركبون ويحملون. وكل إنسان يربط فيلته على بابه، وكل صاحب حانوت يربط فيله عنده، يركبه إلى داره ويحمل له. وكذلك جميع أهل الصين، والخطا على مثل هذا الترتيب.
    ● [ ذكر سلطان مل جاوه ] ●

    وهو كافر، رأيته خارج قصره جالساً على قبة ليس بينه وبين الأرض بساط، ومعه أرباب دولته. والعساكر يعرضون عليه مشاة، ولا خيل هنالك إلا عند السلطان، وإنما يركبون الفيلة، وعليها يقاتلون. فعرف شأني، فاستدعاني فجئت وقلت: السلام على من اتبع الهدى، فلم يفقهوا إلا لفظ السلام. فرحب بي، وأمر أن يفرش لي ثوب اقعد عليه. فقلت للترجمان: كيف أجلس على الثوب والسلطان قاعد على الأرض ? فقال: هكذا عادته يقعد على الأرض تواضعاً، وأنت ضيف، وجئت من سلطان كبير، فيجب إكرامك، فجلست، وسألني عن السلطان، فأوجز في سؤاله، وقال لي: تقيم عندنا في الضيافة ثلاثة أيام، وحينئذ يكون انصرافك.
    ● [ ذكر عجيبة رأيتها بمجلسه ] ●

    ورأيت في مجلس هذا السلطان رجلاً بيده سكين شبه سكين المسفر، قد وضعه على رقبة نفسه، وتكلم بكلام كثير لم أفهمه، ثم أمسك السكين بيديه معاً وقطع عنق نفسه، فوقع رأسه لحدة السكين، وشدة إمساكه بالأرض. فعجبت من شأنه، وقال لي السلطان: أيفعل أحد هذا عندكم ? فقلت له: ما رأيت هذا قط. فضحك وقال: هؤلاء عبيدنا، يقتلون أنفسهم في محبتنا. وأمر به فرفع وأحرق. وخرج لإحراقه النواب وأرباب الدولة والعساكر والرعايا. وأجرى الرزق الواسع على أولاده وأهله وإخوانه، وعظموا لأجل فعله. وأخبرني من كان حاضراً في ذلك المجلس أن الكلام الذي تكلم به، كان تقريراً لمحبته في السلطان، وأنه يقتل نفسه في حبه، كما قتل أبوه نفسه في حب أبيه، وجده قتل نفسه في حب جده، ثم انصرفت عن المجلس. وبعث إلي بضيافة ثلاثة أيام. وسافرنا في البحر فوصلنا بعد أربعة وثلاثين يوماً إلى البحر الكاهل، وهو الراكد وفيه حمرة زعموا أنها من تربة أرض تجاوره. ولا ريح فيه ولا موج ولا حركة مع اتساعه. ولأجل هذا البحر تتبع كل جنك من جنوك الصين ثلاثة مراكب، كما ذكرناه، تجذف به فتجره. ويكون في الجنك مع ذلك نحو عشرين مجذافاً كباراً كالصواري، يجتمع على المجذاف منها ثلاثون رجلاً أو نحوها، ويقومون قياماً صفين، كل صف يقابل الآخر. وفي المجذاف حبلان عظيمان كالطوابيس. فتجذف إحدى الطائفتين الحبل، ثم تتركه، وتجذف الطائفة الاخرى. وهم يغنون عند ذلك بأصواتهم الحسان، وأكثر ما يقولون: لعلى لعلى. وأقمنا على ظهر هذا البحر سبعة وثلاثين يوماً، وعجبت البحرية من التسهيل فيه، فإنهم يقيمون فيه خمسين يوماً إلى أربعين، وهي أنهى ما يكون التيسير عليهم. ثم وصلنا إلى بلاد طوالسي وهي " بفتح الطاء المهمل والواو وكسر السين المهمل "، وملكها هو المسمى بطوالسي. وهي بلاد عريضة، وملكها يضاهي ملك الصين. وله الجنوك الكثيرة، يقاتل بها أهل الصين حتى يصالحوه على شيء. وأهل هذه البلاد عبدة أوثان، حسان الصور، أشبه الناس بالترك في صورهم، والغالب على ألوانهم الحمرة، ولهم شجاعة ونجدة. ونساؤهم يركبن الخيل، ويحسن الرماية، ويقاتلن كالرجال سواء. وأرسينا من مراسيهم بمدينة كيلوكري " وضبطها بكاف مفتوح وياء آخر الحروف مسكنة ولام مضموم وراء مكسور "، وهي من أحسن مدنهم وأكبرها، وكان يسكن بها ابن ملكهم. فلما أرسينا بالمرسى جاءت عساكرهم، ونزل الناخوذة إليهم، ومعه هدية لابن الملك، فسألهم عنه، فأخبروه أن أباه ولاه بلداً غيرهم، وولى بنته بتلك المدينة واسمها أردجا " بضم الهمزة وسكون الراء وضم الدال المهمل وجيم ".
    ● [ ذكر هذه الملكة ] ●

    ولما كان في اليوم الثاني من حلولنا بمرسي كيلوكري، استدعت هذه الملكة الناخوذة صاحب المركب والكراني، وهو الكاتب، والتجار، والرؤساء، والتنديل، وهو مقدم الرجال، وسباه سالار، وهو مقدم الرماة، لضيافة صنعتها لهم على عادتها. ورغب الناخوذة مني أن أحضر معهم. فأتيت، لأنهم كفار لا يجوز أكل طعامهم. فلما حضروا عندها، قالت لهم: هل بقي أحد منكم لم يحضر ? فقال لها الناخوذة: لم يبق إلا رجل واحد بخشي وهو القاضي بلسانهم، وبخشي " بفتح الباء الموحدة وسكون الحاء وكسر الشين المعجمة "، وهو لا يأكل طعامكم. فقالت: ادعوه. فجاء جنادرتها وأصحاب الناخوذة، فقالوا: أجب الملكة. فأتيتها، وهي بمجلسها الأعظم، وبين يديها نسوة، بأيديهن الأزمة، يعرضن ذلك عليها، وحولها النساء القواعد، وهن وزيراتها، وقد جلسن تحت السرير على كراسي الصندل، وبين يديها الرجال. ومجلسها مفروش بالحرير، وعليه ستور حرير وخشبه من الصندل، وعليه صفائح الذهب. وبالمجلس مساطب خشب، منقوش عليها أواني ذهب كثيرة من كبار وصغار كالخوابي والقلال والبواقيل. أخبرني الناخوذة أنها مملوءة بشراب مصنوع من السكر مخلوط بالأفاويه، يشربونه بعد الطعام، وأنه عطر الرائحة حلو المطعم، يفرح ويطيب النكهة، ويهضم، ويعين على الباءة. فلما سلمت على الملكة قالت لي بالتركية: حسن مسن يخشي مسن " خوشميسن يخشميسن "، ومعناه: كيف حالك ? كيف أنت ? وأجلستني على قرب منها وكانت تحسن الكتاب العربي، فقالت لبعض خدامها: دواة وبتك كاتور " كتور " معناه: الدواة والكاغد. فأتي بذلك فكتبت فيه بسم الله الرحمن الرحيم. فقالت: ما هذا ? فقلت لها: تنضري " تنكري " نام، وتنضري " بفتح التاء المعلوة وسكون النون وفتح الضاد وراء وياء " ونام " بنون والف وميم "، ومعنى ذلك اسم الله. فقالت: خشن " خوش "، ومعناه جيد. ثم سألتني من أي البلاد قدمت، فقلت لها من بلاد الهند. فقالت: بلاد الفلفل. فقلت: نعم. فسألتني عن تلك البلاد وأخبارها فأجبتها.
    فقالت: لا بد أن أغزوها وآخذها لنفسي، فإني يعجبني كثرة مالها وعساكرها. فقلت لها: افعلي. وأمرت لي بأثواب وحمل فيلين من الأرز وبجاموستين وعشر من الضأن وأربعة أرطال جلاب وأربع مرطبانات، وهي أوانٍ ضخمة، مملوءة بالزنجبيل والفلفل والليمون والعنبا. كل ذلك مملوح مما يستعد به للبحر، وأخبرني الناخوذة أن هذه الملكة في عسكرها نسوة وخدم وجوارٍ يقاتلن كالرجال، وأنها تخرج في العساكر من رجال ونساء، فتغير على عدوها، وتشاهد القتال، وتبارز الابطال. وأخبرني أنها وقع بينها وبين بعض أعدائها قتال شديد، وقتل كثير من عسكرها، وكادوا ينهزمون، فدفعت بنفسها، وخرقت الجيوش، حتى وصلت إلى الملك الذي كانت تقاتله، فطعنته طعنة كان فيها حتفه فمات، وانهزمت عساكره. وجاءت برأسه على رمح فافتكه أهله منها بمال كثير. فلما عادت إلى أبيها ملكها تلك المدينة التي كانت بيد أخيها. وأخبرني أن أبناء الملوك يخطبونها، فتقول: لا أتزوج إلا من يبارزني فيغلبني. فيتحامون مبارزتها، خوف المعرة إن غلبتهم. ثم سافرنا عن بلاد طوالسي فوصلنا بعد سبعة عشر يوماً والريح مساعدة لنا، ونحن نسير بها أشد السير وأحسنه إلى بلاد الصين. وإقليم الصين متسع، كثير الخيرات والفواكه والزرع والذهب والفضة، لا يضاهيه في ذلك إقليم من أقاليم الأرض. ويخترقه النهر المعروف بآب حياة، معنى ذلك ماء الحياة، ويسمى أيضاً نهر السبر " السرو "، كاسم النهر الذي بالهند ومنبعه من جبال بقرب مدينة خان بالق تسمى كوه بوزنه، معناه جبل القرود، ويمر في وسط الصين مسيرة ستة أشهر إلى أن ينتهي إلى صين الصين. وتكتنفه القرى والمزارع والبساتين والأسواق كنيل مصر، إلا أن هذا اكثر عمارة وعليه النواعير الكثيرة. وببلاد الصين السكر الكثير مما يضاهي المصري، بل يفضله، والأعناب والإجاص. وكنت أظن أن الإجاص العثماني الذي بدمشق لا نظير له، حتى رأيت الإجاص الذي بالصين. وبها البطيخ العجيب، يشبه بطيخ خوارزم وأصفهان. وكل ما ببلادنا من الفواكه فإن بها ما هو مثله وأحسن منه. والقمح بها كثير جداً، ولم أر قمحاً أطيب منه، وكذلك العدس والحمص.
    ● [ ذكر الفخار الصيني ] ●

    وأما الفخار الصيني فلا يصنع منه إلا بمدينة الزيتون وبصين كلان. وهو من تراب جبال هنالك، تقد فيه النار كالفحم، وسنذكر ذلك، ويضيفون إليه حجارة عندهم. ويوقدون النار عليها ثلاثة أيام، ثم يصبون عليها الماء، فيعود الجميع تراباً، ثم يخمرونه. فالجيد منه ما خمر شهراً كاملاً، ولا يزاد على ذلك. والدون ما خمر عشرة أيام. وهو هنالك بقيمة الفخار ببلادنا أو أرخص ثمناً. ويحمل إلى الهند وسائر الاقاليم، حتى يصل إلى بلادنا بالمغرب. وهو أبدع أنواع الفخار.
    ● [ ذكر دجاج الصين ] ●

    ودجاج الصين وديوكها ضخمة جداً، أضخم من الأوز عندنا. وبيض الدجاج عندهم أضخم من بيض الإوز عندنا. وأما الإوز عندهم فلا ضخامة لها. ولقد اشترينا دجاجة، فأردنا طبخها، فلم يسع لحمها في برمة واحدة، فجعلناها في برمتين. ويكون الديك بها على قدر النعامة. وربما انتتف ريشها، فيبقى بضعة حمراء. وأول ما رأيت الديك الصيني بمدينة كولم، فظننته نعامة وعجبت منه، فقال لي صاحبه: إن ببلاد الصين ما هو أعظم منه. فلما وصلت إلى الصين رأيت مصداق ما أخبرني به من ذلك.
    ● [ ذكر بعض من أحوال أهالي الصين ] ●

    وأهل الصين كفار يعبدون الأصنام، ويحرقون موتاهم كما تفعل الهنود. وملك الصين تتري من ذرية تنكيز خان. وفي كل مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين، ينفردون بسكناهم. ولهم فيها المساجد لإقامة الجمعات وسواها. وهم معظمون محترمون. وكفار الصين يأكلون لحوم الخنازير والكلاب، ويبيعونها في أسواقهم. وهم أهل رفاهية وسعة عيش، إلا أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس. وترى التاجر الكبير منهم الذي لا تحصى أمواله كثرة، وعليه جبة قطن خشنة. وجميع أهل الصين إنما يحتفلون في أواني الذهب والفضة. ولكل واحد منهم عكاز يعتمد عليه في المشي، ويقولون هو الرجل الثالثة. والحرير عندهم كثير جداً، لأن الدودة تتعلق بالثمار وتأكل منها فلا تحتاج إلى كثير مؤونة، ولذلك كثر، وهو لباس الفقراء والمساكين بها، ولولا التجار لما كانت له قيمة. ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالأثواب الكثيرة من الحرير. وعادتهم أن يسبك التاجر ما يكون عنده من الذهب والفضة قطعاً، تكون القطعة منها من قنطار فما فوقه وما دونه، ويجعل ذلك على باب داره. ومن كان له خمس قطع منها، جعل في إصبعه خاتماً، ومن كانت له عشر جعل خاتمين، ومن كان له خمس عشرة سموه الستي " بفتح السين المهمل وكسر التاء المعلوة " وهو بمعنى الكارمي بمصر. ويسمون القطعة الواحدة منها بركالة " بفتح الباء الموحدة وسكون الراء وفتح الكاف واللام ".
    ● [ ذكر دراهم الكاغد التي بها يبيعون ويشترون ] ●

    وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم. وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعاً، كما ذكرناه، وإنما بيعهم وشراؤهم. بقطع كاغد، كل قطعة منها بقدر الكف، مطبوعة بطابع السلطان، وتسمى الخمس والعشرون قطعة منها، بالشت " بباء موحدة والف ولام مكسور وسين معجم مسكن وتاء معلوة "، وهو بمعنى الدينار عندنا. وإذا تمزقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكة عندنا، فأخذ عوضها جدداً ودفع تلك. ولا يعطى على ذلك أجرة ولا سواها، لأن الذين يتولون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان، وقد وكل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء. وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شيء، لم يؤخذ منه، ولا يلتفت عليه، حتى يصرفه بالبالشت، ويشتري به ما أراد.
    ● [ ذكر التراب الذي يوقدونه مكان الفحم ] ●

    وجميع أهل الصين والخطا، إنما فحمهم تراب عندهم، منعقد كالطفل عندنا، ولونه لون الطفل، تأتي الفيلة بالأحمال منه، فيقطعونه قطعاً على قدر قطع الفحم عندنا، ويشعلون النار فيه. فيقد كالفحم، وهو أشد حرارة من نار الفحم. وإذا صار رماداً عجنوه بالماء ويبسوه وطبخوا به ثانية. ولا يزالون يفعلون به كذلك إلى أن يتلاشى. ومن هذا التراب يصنعون أواني الفخار الصيني، ويضيفون إليه حجارة سواه، كما قلنا.
    ● [ ذكر ما خصوا به من إحكام الصناعات ] ●

    وأهل الصين أعظم الأمم إحكاماً للصناعات، وأشدهم إتقاناً فيها، وذلك مشهور من حالهم، قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه، وأما التصوير فلا يجاريهم أحد في إحكامه، من الروم ولا من سواهم. فإن لهم فيه اقتداراً عظيماً. ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك، أني ما دخلت قط مدينة من مدنهم، ثم عدت إليها، إلا ورأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في الحيطان والكواغد، موضوعة في الأسواق.
    ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فمررت على سوق النقاشين، ووصلت إلى قصره مع أصحابي، ونحن على زي العراقيين. فلما عدت من القصر عشياً، مررت بالسوق المذكورة، فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط. فجعل الواحد منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئاً من شبهه.
    وذكر لي أن السلطان أمرهم بذلك، وأنهم أتوا إلى قصره ونحن به، فجعلوا ينظرون إلينا ويصورون صورنا، ونحن لم نشعر بذلك، وتلك عادة لهم في تصوير كل من يمر بهم. وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فراره عنهم، بعث صورته إلى البلاد، وبحث عنه. فحيثما وجد شبه تلك الصورة أخذ. قال ابن جزي: هذا مثل ما حكاه أهل التأريخ من قضية سابور ذي الأكتاف، ملك الفرس، حين دخل إلى بلاد الروم متنكراً، وحضر وليمة صنعها ملكهم، وكانت صورته على بعض الأواني فنظر إليها بعض خدام قيصر، فانطبعت على صورة سابور. فقال لملكه: إن هذه الصورة تخبرني أن كسرى معنا في هذا المجلس. فكان الأمر على ما قاله، وجرى فيه ما هو مسطور في الكتب.
    ● [ ذكر عادتهم في تقييد ما في المراكب ] ●

    وعادة أهل الصين إذا أراد جنك من جنوكهم السفر، صعد إليه صاحب البحر وكتابه، وكتبوا من يسافر فيه من الرماة والخدم والبحرية، وحينئذ يباح لهم السفر. فإذا عاد الجنك إلى الصين، صعدوا إليه أيضاً وقابلوا ما قيدوه بأشخاص الناس، فإن فقدوا أحداً ممن قيدوه، طالبوا صاحب الجنك. فإما أن يأتي ببرهان على موته أو فراره، أو غير ذلك مما يحدث عليه، وإلا أخذ فيه. فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يملي عليهم تفصيلاً بجميع ما فيه من السلع، قليلها وكثيرها، ثم ينزل من فيه، ويجلس حفاظ الديوان لمشاهدة ما عندهم. فإن عثروا على سلعة قد كتمت عنهم، عاد الجنك بجميع ما فيه مالاً للمخزن وذلك نوع من الظلم ما رأيته ببلاد الكفار ولا المسلمين إلا بالصين، اللهم إلا أنه كان بالهند ما يقرب منه، وهو أن من عثر على سلعة له قد غاب على مغرمها، أغرم احد عشر مغرماً، ثم رفع السلطان ذلك لما رفع المغارم.
    ● [ ذكر عادتهم في منع التجار عن الفساد ] ●

    وإذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خير في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين معين أو في الفندق، فإن أحب النزول عند التاجر حصر ماله، وضمنه التاجر المستوطن، وأنفق عليه منه بالمعروف. فإذا أراد السفر بحث عن ماله، فإن وجد شيئاً منه قد ضاع، أغرمه التاجر المستوطن الذي ضمنه، وإن أراد النزول بالفندق، سلم ماله لصاحب الفندق وضمنه، وهو يشتري له ما أحب ويحاسبه، فإن أراد التسري اشترى له جارية، وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق، وأنفق عليهما. والجواري رخيصات الأثمان، إلا أن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم، وليس ذلك عيباً عندهم غير أنهم لا يجبرون على السفر مع مشتريهم، ولا يمنعون أيضاً منه إن اختاروه. وكذلك إن أراد التزوج تزوج. وأما إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبيل له إليه. ويقولون: لا نريد أن يسمع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا، فإنها أرض ضلال.
    ● [ ذكر حفظهم للمسافرين في الطرق ] ●

    وبلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالاً للمسافرين. فإن الإنسان يسافر منفرداً مسيرة تسعة شهور، وتكون معه الأموال الطائلة، فلا يخاف عليها. وترتيب ذلك أن لهم في كل منزل ببلادهم فندقاً، عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجال، فإذا كان بعد المغرب أو العشاء، جاء الحاكم إلى الفندق، ومعه الكاتب لكتابة أسماء جميع من يبيت به من المسافرين، وختم عليها، وأقفل باب الفندق عليهم. فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه فدعا كل واحد باسمه، وكتب به تفصيلاً، وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له، ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه. وإن لم يفعل طلبه بهم. وهكذا العمل في كل منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق. وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد، وخصوصاً الدجاج والإوز. وأما الغنم فهي قليلة عندهم. ولنعد إلى ذكر سفرنا فنقول: لما قطعنا البحر، كانت أول مدينة وصلنا إليها مدينة الزيتون. وهذه المدينة ليس بها زيتون، ولا بجميع بلاد أهل الصين والهند، ولكنه اسم وضع عليها، وهي مدينة عظيمة كبيرة، تصنع بها ثياب الكمخا والأطلس، وتعرف بالنسبة إليها، وتفضل على الثياب الخنساوية والخنبالقية. ومرساها من أعظم مراسي الدنيا، أو هو أعظمها. رأيت بها نحو مائة جنك كبار، وأما الصغار فلا تحصى كثرة. وهو خور كبير من البحر يدخل في البر حتى يختلط بالنهر الأعظم. وهذه المدينة وجميع بلاد الصين، يكون للإنسان بها البستان والأرض وداره في وسطها. كمثل ما هي بلدة سجلماسة ببلادنا. وبهذا عظمت بلادهم. والمسلمون ساكنون بمدينة على حدة. وفي يوم وصولي إليها رأيت بها الأمير الذي توجه إلى الهند رسولاً بالهدية، ومضى في صحبتنا وغرق به الجنك، فسلم علي، وعرف صاحب الديوان بي، فأنزلني في منزل حسن. وجاء إلي قاضي المسلمين تاج الدين الأردويلي، وهو من الأفاضل الكرماء، وشيخ الإسلام كمال الدين عبد الله الأصفهاني، وهو من الصلحاء، وجاء إلي كبار التجار، فيهم شرف الدين التبريزي، أحد التجار الذين استدنت منهم حين قدومي على الهند، وأحسنهم معاملة، حافظ القرآن، مكثر للتلاوة. وهؤلاء التجار لسكناهم في بلاد الكفار، إذا قدم عليهم المسلم فرحوا به أشد الفرح، وقالوا: جاء من أرض الإسلام. وله يعطون زكوات أموالهم، فيعود غنياً، كواحد منهم. وكان بها من المشايخ الفضلاء برهان الدين الكازروني، له زاوية خارج البلد، وإليه يدفع التجار النذور التي ينذرونها للشيخ أبي إسحق الكازروني. ولما عرف صاحب الديوان أخباري، كتب إلى القان، وهو ملكهم الأعظم، يخبره بقدومي من جهة ملك الهند. فطلبت منه أن يبعث معي من يوصلني لبلاد الصين " صين الصين "، وهم يسمونه صين كلان، لأشاهد تلك البلاد، وهي في عمالته، بخلال ما يعود جواب القان. فأجاب إلى ذلك، وبعث معي من أصحابي من يوصلني. وركبت في النهر، في مركب يشبه أجفان بلادنا الغزوية، إلا أن الجذافين يجذفون فيه قياماً، وجميعهم في وسط المركب، والركاب في المقدم والمؤخر، ويظللون على المركب بثياب تصنع من نبات بلادهم، يشبه الكتان، وليس به، وهو أرق من القنب.
    وسافرنا في هذا النهر سبعة وعشرين يوماً. وفي كل يوم نرسو عند الزوال بقرية، نشتري بها ما نحتاج إليه، ونصلي الظهر. ثم ننزل بالعشي إلى أخرى. وهكذا إلى أن وصلنا مدينة صين كلان " بفتح الكاف "، وهي مدينة صين الصين، وبها يصنع الفخار، وبالزيتون أيضاً. وهنالك يصب نهر آب حياة في البحر، يسمونه مجمع البحرين. وهي من أكبر المدن، وأحسنها أسواقاً. ومن أعظم أسواقها سوق الفخار، ومنها يحمل إلى سائر بلاد الصين والهند واليمن. وفي وسط هذه المدينة كنيسة عظيمة، لها تسعة أبواب، داخل كل باب أسطوان ومصاطب، يقعد عليها الساكنون بها، وبين البابين الثاني والثالث منها موضع فيه بيوت يسكنها العميان، وأهل الزمانات. ولكل واحد منهم نفقته وكسوته من أوقاف الكنيسة. وكذلك فيما بين الأبواب كلها. وفي داخلها المارستان للمرضى، والمطبخة لطبخ الأغذية، وفيها الأطباء والخدام. وذكر لي أن الشيوخ الذين لا قدرة لهم على التكسب، لهم نفقتهم وكسوتهم بهذه الكنيسة، وكذلك الأيتام والأرامل ممن لا مال لهم. وعمر هذه الكنيسة بعض ملوكهم، وجعل هذه المدينة وما إليها من القرى والبساتين وقفاً عليها. وصور ذلك الملك مصورة بالكنيسة المذكورة، وهم يعبدونها. وفي بعض جهات هذه المدينة بلدة المسلمين، لهم بها المسجد الجامع والزاوية والسوق، ولهم قاض وشيخ. ولا بد في كل بلد من بلاد الصين من شيخ الإسلام، تكون أمور المسلمين كلها راجعة إليه، وقاض يقضي بينهم. وكان نزولي عند أوحد الدين السنجاري، وهو أحد الفضلاء الأكابر ذو الأموال الطائلة، وأقمت عنده أربعة عشر يوماً، وتحف القاضي وسائر المسلمين تتوالى علي. وكل يوم يصنعون دعوة جديدة، ويأتون إليها بالعشارين الحسان والمغنين. وليس وراء هذه المدينة مدينة، لا للكفار ولا للمسلمين. وبينها وبين سد يأجوج ومأجوج ستون يوماً فيما ذكر لي، يسكنها كفار رحالة يأكلون بني آدم إذا ظفروا بهم. ولذلك لا تسلك بلادهم ولا يسافر إليها. ولم أر بتلك البلاد من رأى السد، ولا من رأى من رآه.
    ● [ حكاية عجيبة ] ●

    ولما كنت بصين كلان، سمعت أن بها شيخاً كبيراً قد أناف على مائتي سنة، وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يحدث، ولا يباشر النساء، مع قوته التامة. وأنه ساكن في غار بخارجها يتعبد فيه. فتوجهت إلى الغار، فرأيته على بابه، وهو نحيف شديد الحمرة، عليه أثر عبادة، ولا لحية له. فسلمت عليه فأمسك يدي وشمها وقال للترجمان: هذا من طرف الدنيا، كما نحن من طرفها الآخر. ثم قال: لقد رأيت عجباً. أتذكر يوم قدومك الجزيرة التي فيها الكنيسة، والرجل الذي كان جالساً بين الأصنام وأعطاك عشرة دنانير من الذهب ? فقلت نعم: فقال: أنا هو. فقبلت يده وفكر ساعة، ثم دخل الغار، فلم يخرج إلينا. كأنه ظهر منه الندم على ما تكلم به، فتهجمنا ودخلنا الغار عليه فلم نجده، ووجدنا بعض أصحابه، ومعه جملة بوالشت من الكاغد. فقال: هذه ضيافتكم. فانصرفوا. فقلنا له: ننتظر الرجل. فقال: لو أقمتم عشر سنين لم تروه. فإن عادته إذا طلع أحد على سر من أسراره لا يراه بعده. ولا تحسب أنه غاب عنك، بل هو حاضر معك. فعجبت من ذلك. وانصرفت. فأعلمت القاضي وشيخ الإسلام وأوحد الدين السنجاري بقضيته، فقالوا: كذلك عادته مع من يأتي إليه من الغرباء، ولا يعلم أحد ما ينتحله من الأديان، والذي ظننتموه أحد أصحابه هو هو. وأخبروني أنه قد غاب عن هذه البلاد نحو خمسين سنة ثم قدم عليها منذ سنة، وكان السلاطين والمراء والكبراء يأتونه زائرين، فيعطيهم التحف على أقدارهم. ويأتيه الفقراء كل يوم، فيعطي لكل واحد على قدره. وليس بالغار الذي هو به ما يقع عليه البصر. وأنه يحدث عن السنين الماضية، ويذكر النبي صلى الله عليه وسلم، ويقول: لو كنت معه لنصرته. ويذكر الخليفتين عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب بأحسن الذكر، ويثني عليهما، ويلعن يزيد بن معاوية، ويقع في معاوية. وحدثوني عنه بأمور كثيرة، وأخبرني أوحد الدين السنجاري قال: دخلت عليه الغار، فأخذ بيدي. فخيل إلي أني في قصر عظيم، وأنه قاعد فيه على سرير، وفوق رأسه تاج، وعلى جانبيه الوصائف الحسان، والفواكه تتساقط في أنهار هنالك، وتخيلت أني أخذت تفاحة لآكلها، فإذا أنا بالغار، وبين يديه، وهو يضحك مني. وأصابني مرض شديد لازمني شهوراً، فلم أعد إليه.
    وأهل تلك البلاد يعتقدن أنه مسلم. لكن لم يره أحد يصلي. أما الصيام فهو صائم أبداً. وقال لي القاضي: ذكرت له الصلاة في بعض الأيام، فقال لي: أتدري أنت ما أصنع ? إن صلاتي غير صلاتك. وأخباره جميعها غريبة. وفي اليوم الثاني من لقائه سافرت راجعاً إلى مدينة الزيتون.
    ثم بعد وصولي إليها بأيام، جاء أمر القان بوصولي إلى حضرته على البر والكرامة. إن شئت في النهر، وإلا ففي البر. فاخترت السفر في النهر. فجهزوا لي مركباً حسناً من المراكب المعدة لركوب الأمراء، وبعث الأمير معنا أصحابه، ووجه لنا الأمير والقاضي والتجار المسلمون أزواداً كثيرة. ثم سرنا في الضيافة نتغدى بقرية، ونتعشى بأخرى، فوصلنا بعد سفر عشرة أيام إلى مدينة قنجنفو " وضبط اسمها بفتح القاف وسكون النون وفتح الجيم وسكون النون الآخر وضم الفاء وواو " وهي مدينة كبيرة حسنة في بسيط أفيح، والبساتين محدقة بها، فكأنها غوطة دمشق. وعند وصولنا، خرج إلينا القاضي وشيخ الإسلام والتجار، ومعهم الأعلام الطبول والأبواق والأنفار وأهل الطرب. وأتونا بالخيل فركبنا، ومشوا بين أيدينا، لم يركب معنا غير القاضي والشيخ. وخرج أمير البلد وخدامه. وضيف السلطان عندهم معظم أشد التعظيم. دخلنا المدينة، ولها أربعة أسوار. يسكن ما بين السور الأول والثاني عبيد السلطان، من حراس المدينة وسمارها، يسمون البصوانان " الباسوانان " " بفتح الباء الموحدة وسكون الصاد المهمل وواو وألف ونون "، ويسكن مابين السور الثاني والثالث الجنود المركبون، والأمير الحاكم على البلد، ويسكن داخل السور الثالث المسلمون. وهنالك نزلنا عند شيخهم ظهير الدين القرلاني " بضم القاف وسكون الراء "، ويسكن داخل السور الرابع الصينيون، وهو أعظم المدن الأربعة. ومقدار ما بين كل باب منها والذي يليه ثلاثة أميال أو أربعة. ولكل إنسان كما ذكرناه بستانه وداره وأرضه.
    حكاية
    وبينا أنا يوماً في دار ظهير الدين القرلابي، إذا بمركب عظيم لبعض الفقهاء المعظمين عندهم. فاستؤذن له علي، وقالوا: مولانا قوام الدين السبتي. فعجبت من اسمه، ودخل إلي. فلما حصلت المؤانسة بعد التحية، سنح لي أن أعرفه. فأطلت النظر إليه، فقال: أراك تنظر إلي نظر من يعرفني، فقلت له: من أي البلاد أنت ? فقال: من سبتة. فقلت له: وأنا من طنجة. فجدد السلام علي وبكى حتى بكيت لبكائه. فقلت له: هل دخلت بلاد الهند ? فقال لي: نعم، دخلت حضرة دهلي. فلما قال لي ذلك تذكرت له، وقلت: أأنت البشري ? قال: نعم. وكان قد وصل إلى دهلي مع خاله أبي القاسم المرسي، وهو يومئذ شاب، لا نبات بعارضيه، من حذاق الطلبة، يحفط الموطأ. وكنت أعلمت سلطان الهند بأمره، فأعطاه ثلاثة آلاف دينار، وطلب منه الإقامة عنده فأبى. وكان قصده في بلاد الصين، فعظم شأنه بها، واكتسب الأموال الطائلة. أخبرني أن له نحو خمسين غلاماً ومثلهم من الجواري. وأهدى إلي منهم غلامين وجاريتين وتحفاً كثيرة. ولقيت أخاه بعد ذلك ببلاد السودان فيما بعد ما بينهما. وكانت إقامتي بقنجنفو خمسة عشر يوماً.
    وسافرت منها إلى بلاد الصين، على ما فيها من الحسن لم تكن تعجبني، بل كان خاطري شديد التغير بسبب غلبة الكفر عليها. فمتى خرجت من منزلي رأيت المنكرات الكثيرة، فأقلقني ذلك، حتى كنت ألازم المنزل، فلا أخرج إلا لضرورة. وكنت إذا رأيت المسلمين بها، فكأني لقيت أهلي وأقاربي. ومن تمام فضيلة هذا الفقيه البشري، أن سافر معي لما رحلت عن قنجنفو أربعة أيام، حتى وصلت إلى مدينة بيوم قطلو " وهي بباء موحدة مفتوحة وياء آخر الحروف ساكنة وواو مفتوحة وميم وقاف مضموم وطاء مسكنة ولام مضموم وواو " مدينة صغيرة يسكنها الصينيون من جند وسوقة، وليس بها للمسلمين إلا أربعة من الدور أهلها من جهة الفقيه المذكور. نزلنا بدار أحدهم وأقمنا عنده ثلاثة أيام. ثم ودعت الفقيه وانصرفت. فركبت النهر على العادة، نتغدى بقرية ونتعشى بأخرى إلى أن وصلنا بعد سبعة عشر يوماً إلى مدينة الخنساء، واسمها على نحو اسم الخنساء الشاعرة، ولا أدري، أعربي هو أم وافق العربي. وهذه المدينة أكبر مدينة رأيتها على وجه الأرض. طولها مسيرة ثلاثة أيام يرحل المسافر فيها وينزل. وهي على ماذكرناه من ترتيب عمارة الصين، كل واحد له بستانه وداره. وهي منقسمة إلى ست مدن، سنذكرها. وعند وصولنا إليها، خرج إلينا قاضيها فخر الدين، وشيخ الإسلام بها، وأولاد عثمان بن عفان المصري، وهم كبراء المسلمين بها، ومعهم علم أبيض والأطبال والأنفار والأبواق، وخرج أميرها في موكبه، ودخلنا المدينة. وهي ست مدن، على كل مدينة سور، ومحدق بالجميع سور واحد. فأول مدينة منها يسكنها حراس المدينة وأميرهم. حدثني القاضي وسواه أنهم اثنا عشر ألفاً في زمام العسكرية. وبتنا ليلة دخولنا في دار أميرهم. وفي اليوم الثاني دخلنا المدينة الثانية، على باب يعرف بباب اليهود، ويسكن به اليهود والنصارى والترك عبدة الشمس، وهم كثير. وأمير هذه المدينة من أهل الصين. وبتنا عنده الليلة الثانية.
    وفي اليوم الثالث دخلنا المدينة الثالثة، ويسكنها المسلمون. ومدينتهم حسنة وأسواقهم مرتبة كترتيبها في بلاد الإسلام. وبها المساجد والمؤذنون سمعناهم يؤذنون بالظهر، عند دخولنا. ونزلنا منها بدار أولاد عثمان بن عفان المصري، وكان أحد التجار الكبار. استحسن هذه المدينة فاستوطنها، وعرفت بالنسبة إليه وأورث عقبه به الجاه والحرمة على ما كان عليه أبوهم من الإيثار على الفقراء والإعانة للمتحاجين. ولهم زاوية تعرف بالعثمانية، حسنة العمارة، لها أوقاف كثيرة. وبها طائفة من الصوفية. وبنى عثمان المذكور المسجد الجامع بهذه المدينة، ووقف عليه وعلى الزاوية أوقافاًَ عظيمة. وعدد المسلمين بهذه المدينة كثير.
    وكانت إقامتنا عندهم خمسة عشر يوماً. فكنا كل يوم وليلة في دعوة جديدة. ولا يزالون يختلفون في أطعمتهم، ويركبون معنا كل يوم للنزهة في أقطار المدينة. وركبوا معي يوماً، فدخلنا إلى المدينة الرابعة، وهي دار الإمارة. وبها سكنى الأمير الكبير قرطي. ولما دخلنا من بابها، ذهب عني أصحابي، ولقيني الوزير وذهب بي إلى دار الأمير الكبير قرطي. فكان من أخذه الفرجية التي أعطانيها ولي الله جلال الدين الشيرازي ما قد ذكرته. وهذه المدينة منفردة لسكنى عبيد السلطان وخدامه، وهي من أحسن المدن الست. ويشقها أنهار ثلاثة: أحدها خليج يخرج من النهر الأعظم، وتأتي فيه القوارب الصغار إلى هذه المدينة بالمرافق من الطعام، وأحجار الوقد. وفيه السفن للنزهة. والمشور في وسط هذه المدينة، وهو كبير جداً. ودار الإمارة في وسطه، وهو يحف بها من جميع الجهات. وفيه سقائف، فيها الصناع يصنعون الثياب النفيسة وآلات الحرب. أخبرني الأمير قرطي أن عددهم ألف وستمائة معلم. كل واحد منهم يتبعه الثلاثة والأربعة من المتعلمين. وهم أجمعون عبيد القان. وفي أرجلهم القيود، ومساكنهم خارج القصر. ويباح لهم الخروج إلى أسواق المدينة، دون الخروج على بابها. ويعرضون كل يوم على الأمير مائة مائة. فإن نقص أحدهم، طلب به أميره. وعادتهم أنه إذا خدم أحدهم عشر سنين فك عنه قيده، وكان يخير في النظرين: إما أن يقيم في الخدمة غير مقيد، وإما أن يسير حيث شاء من بلاد القان، ولا يخرج عنها. وإذا بلغ سنه خمسين عاماً أعتق من الأشغال وأنفق عليه. كذلك ينفق على من بلغ هذه السن أو نحوها من سواهم. ومن بلغ ستين سنة عدوه كالصبي، فلم تجر عليه الأحكام. والشيوخ بالصين يعظمون تعظيماً كثيراً، ويسمى أحدهم آطا، ومعناه الوالد.
    ● [ ذكر الأمير الكبير قرطي ] ●

    وضبط اسمه " بضم القاف وسكون الراء وفتح الطاء المهمل وسكون الياء "، وهو أمير أمراء الصين، أضافنا بداره، وصنع الدعوة، ويسمونها الطوى " بضم الطاء المهمل وفتح الواو "، وحضرها كبار المدينة. وأتى بالطباخين المسلمين فذبحوا وطبخوا الطعام. وكان هذا الأمير على عظمته يناولنا الطعام بيده، ويقطع اللحم بيده. وأقمنا في ضيافته ثلاثة أيام، وبعث ولده معنا إلى الخليج. فركبنا في سفينة تشبه الحراقة، وركب ابن الأمير في أخرى، ومعه أهل الطرب وأهل الموسيقى، وكانوا يغنون بالصيني وبالعربي وبالفارسي، وكان ابن الأمير معجباً بالغناء الفارسي، فغنوا شعراً منه. وأمرهم بتكريره مراراً، حتى حفظته من أفواههم، وله تلحين عجيب وهو:
    تا دل بمحنت داديم . در بحر فكر افتاديم
    جن " جون " در نماز استاديم . قوي بمحراب اندرى " اندريم "
    واجتمعت بذلك الخليج طائفة كبيرة لها القلاع الملونة ومظلات الحرير. وسفنهم منقوشة بأبدع نقش. وجعلوا يتحاملون ويترامون بالنارنج والليمون. وعدنا بالعشي إلى دار الأمير، فبتنا بها. وحضر أهل الطرب فغنوا بأنواع من الغناء العجيب.


    رحلة إبن بطوطة
    الجزء الثانى
    منتدى توتة وحدوتة - البوابة


      الوقت/التاريخ الآن هو الأحد يناير 20, 2019 2:59 pm